هذا الخوف الذي بدأ يسيطر على نفوس الناس بما فيهم الشعراء والذي تجلى بوأد حرية التعبير وقول الشاعر لما يريده جهارًا، وهنا كانت الدولة في حالة الضعف الشديد، وأصبح الأمر بيد الحاشية الأجنبية، مما اضطر الشاعر جنيد بن محمد الكاتب إلى كتابة شعره في رقاع كان يلصقها سرًا على جدران المسجد، ومن ذلك الشعر قوله ( [64] ) : ... وسالَ بالمُلكِ كلُّ سَيْلِ
قد حَلَّ بالدينِ كلُّ وَيْلِ
واستفحلَ الكفرُ فهو عاتٍ ... أمضى من الليل خَوْفُ ليْلِ
وانتقل الملكُ من قريش ... فصارَ في قبضَتَي دُلَيْلِ
فابكوا على دينكم ونوحوا ... فالدينُ في صرخةٍ وويلِ
ولعله لهذا الخوف من بطش السلطة الذي رافقه انحسار حرية التعبير نرى في هذه الفترة كثرة الشعر المنسوب إلى (الشاعر المجهول) وهذا الشعر هو الذي ارتبط بنقد السلطة وسوء الحال الذي آلت إليه أمور الناس والخلافة.... فقال أحد الشعراء ( [65] ) : ... وخسْفُ الأميرِ وجهلُ المشيرْ
أضاعَ الخلافةَ غشُّ الوزير
ففضلٌ وزيرٌ وبكرٌ مشير ... يريدان ما فيه حتفَ الأميرْ
وما ذاك إلا طريقُ غرور ... وشر المسالك طرق الغرور
وعبر الشعراء عن فساد القضاء الذي أصبح أداة تنفيذية بيد السلطة للانتقام من معارضيها ومن ذلك الحكم بالموت على أحد أمراء المكتفي من قبل أحد قضاته تنفيذًا لرغبة المكتفي، وكان هذا الحكم ظالمًا فقال الناس فيه أشعارًا وتكلموا فيه، ومما قيل فيه ( [66] ) : ... بمَ أحللتَ أخذَ رأسِ الأميرِ
قلْ لقاضي مدينةِ المنصورِ
أينَ أيمانكَ التي شهد اللـ ... ـهُ على أنها يمينُ زورِ
ليس هذا فعلُ القضاة ولا ... يُحِسنُ أمثاله ولاةُ الجورِ
قد مضى من قتلتَ في رمضا ... نَ صائمًا بعد سجدة التعفيرِ