إن هذا الشكل المنطقي الذي يأخذ به كل علم رياضي يجعل من مجموعة غير مترابطة من الأفكار والتعابير نظامًا متماسكًا، يسمى بالنظام الاستنباطي؛ وهو عملية ننتقل فيها من العلم بقضية معينة، هي المقدسة، إلى قضية أخرى معينة، هي النتيجة. وهذا الانتقال يستلزم وجود علاقة، أو علاقات معينة، بين المقدسات كأساس للوصول إلى النتيجة؛ فالمنطق الرياضي يستند في نظامه إلى فكرتي الثوابت والمتغيرات. والثوابت ينطلق منها العلم البرهاني لإظهار المتغيرات المشتقة من تبدل في العلاقات التي تربط بين هذه الثوابت.
وما نعثر عليه من علاقات Relations في الرياضيات نجدها في اللغة فتكون الفكرة المنطقية في العقل، وصورتها في المستقر، وهي التعابير. ولكي تؤدي هذه التعابير غايتها تساق في علاقات مرتبة ومنظمة يقبلها المنطق.
وكما أن العنصر الرياضي لا قيمة له إلا من ضمن العلاقات التي تدخل في نطاق تركيبها كذلك العنصر اللغوي لا قيمة له في ذاته بل في وظيفته الأدائية من خلال علاقته مع غيره. فاللغة مؤسسة على نماذج كلامية أسلوبية، تتمتع بخاصة تحليلية، جوهرها العنصر اللغوي، وصورتها العلاقات القائمة بين أجزائها.
بالمنهج العلمي يكتشف العالم النحوي حقيقة هذه العلاقات، ويحدد ماهيتها، ويجعلها أساسًا يقاس عليه، لذلك قال ابن جني:"إن اللغوي شأنه أن ينقل ما نطقت به العرب ولا يتعداه، وأما النحويّ فشأنه أن يتصرف فيما ينقله اللغوي ويقيس عليه" ( [17] ) .
كانت مهمة اللغويين العرب نقل ما نطقت به العرب. والذي وصل إلينا لغة كاملة الأداء والتعبير متماسكة البنية والخصائص. فأعانت البنية المتماسكة علماء النحو على تحقيق قوانين الاستقراء Induction فانطلقوا بدراساتهم من الواقع اللغوي، ودرسوا العناصر، والعلاقات بين هذه العناصر؛ ليتوصلوا إلى حكم، ينطبق عليها، ويكون قضية يقاس عليها في عملية البرهان من أجل الوصول إلى قوانين عامة.