?والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كلّ وادٍ يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون? واستثنى الصالحين الذين جندوا الشعر في أغراض خيّرة، فقال: ?إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرًا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون?.
وهكذا ارتبط الشعر في الجاهلية بأغراض خلقية نبيلة، وأدّى وظائف جُلَّى، فكان شعرًا قبليًا جماعيًا، نذر الشاعر فيه نفسه لخدمة القبيلة، والذّياد عنها، والإشارة بمآثرها وأحسابها وأفعالها المجيدة، وكان فيها معلمًا هاديًا، يبثّ القيم الفاضلة، ويشيد بالأخلاق الحميدة التي تهذب النفس، وتسمو بالمشاعر، وتنهى عن الأفعال الدنيئة، وتنفّر منها.
وبسبب التصاقه بوجدان الجماهير، وتجنّده في خدمة قضاياهم، وتحريه الصدق، علا شأنه في العرب، وسمت منزلته، ونُظِرَ إلى الشاعر على أنه مصدر الحكمة والحق، حتى قال قائلهم:
"كل حكمة لم ينزل فيها كتاب، ولم يُبْعث بها نبي، ذخرها الله حتى تنطق بها ألسن الشعراء ( [23] ) ".
واحتكم العرب إلى الشعر في أمور حياتهم، فكان مسموع الكلمة، نافذ الرأي، قال ابن سلام:
"كان الشعر في الجاهلية عند العرب ديوان علمهم، ومُنْتَهى حكمهم، به يأخذون، وإليه يصيرون ( [24] ) ".
وعلى أن هذا الفن الجليل الذي تبوّأ منزلة رفيعة بسبب جلال الوظائف التي أنيطت به، ما إن خرج عن هذه الوظائف الخلقية النبيلة، فجنّد في الباطن والسّفه، وروّج للفحشاء والمنكر، وصار مطية للنفاق والتكسب، وتناول الأعراض، وشبّب بالحرمات، حتى فقد مصداقيته، وسقط عنه وقاره وجلاله، وأصبح الشاعر كالبهلوان المهرج، يُضحك ويسلي، ولكنه لم يعد مصدر الحكمة، ولا مستودع الحق والخير كما كان، فتقهقرت مكانته، وغدا الخطيب أرفع منه شأنًا ( [25] ) .