فهرس الكتاب

الصفحة 23397 من 23694

قال أبو عمرو متحدثًا عن انحدار مكانة الشاعر بسبب بعض الأعراض الدنيئة التي خرج إليها:"كان الشاعر في الجاهلية يقدّم على الخطيب لفرط حاجتهم إلى الشعر الذي يقيّد عليهم مآثرهم، و... فلما كثر الشعر والشعراء، واتخذوا الشعر مكسبة، ورحلوا إلى السُّوقة، وتسرّعوا إلى أعراض الناس؛ صار الخطيب عندهم فوق الشاعر ( [16] ) ..."

إنّ امتهان وظيفة الشعر إذن، وتسخيره في أغراض دنيئة، كالتكسب، والاعتداء على الحرمات، وغير ذلك، هما السبب في سُفول أصحاب هذا الفن.

قال ابن رشيق:"وقالوا: كان الشاعر في مبتدأ الأمر أرفع منزلة من الخطيب لشدة حاجتهم إلى الشعر في تخليد المآثر، وشدّة العارضة، وحماية العشيرة... فلما تكسبوا به، وجعلوه طُعمة، وتولّوا به الأعراض وتناولوها؛ صارت الخطابة فوقه، وعلى هذا المنهاج كانوا حتى فشت فيهم الضراعة، وتطعّموا أموال الناس، وجشعوا فخشعوا، واطمأنت بهم دار الذلة، إلا من وقّر نفسه وقارها، وعرف لها مقدارها ( [17] ) .."

وذكر الرازي ما آل إليه حال الشعراء، فقال:"صاروا أتباعًا بعد أن كانوا متبوعين.. وسألوا بالشعر، وتملقوا للملوك والخلفاء، وتضرّعوا إلى أهل الثروة والأمراء، ونزلوا عن رتبتهم، واستهان بهم الناس، وقلّوا في أعينهم، فجروا على ذلك في صدر الإسلام وبعد ذلك برهة من الدهر، نشأ فيهم شعراء مطبوعون لهم قرائح الأولين من شعراء الجاهلية والمخضرمين، واعتادوا المثالة، وجعلوها صناعة، فلما طال ذلك عليهم ملَّهم الناس، ونزرت العطايا، وماتت الخواطر، وغارت القرائح، وسقطت الهمم، وصار الشعر ضعيفًا هزلًا بعد أن كان حُكمًا مقتدرًا ( [18] ) ..."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت