وقد حفلت المصادر القديمة بالحديث عن منزلة الشعر في نفوس العرب، وسيرورته فيهم، واحتفائهم بالشاعر، وفرحهم بولادته فيهم، وفي ربط ذلك كله بالوظيفة التي يؤديها.
قال النهشلي:"وكان الشاعر في الجاهلية إذا نبغ في قبيلة ركبت العرب إليها فهنأتها به، لذبّهم عن الأحساب، وانتصارهم به على الأعداء. وكانت العرب لا تهنئ إلا بفرس مُنْتج، أو مولود ولد، أو شاعر نبغ ( [11] ) .."
وقال ابن رشيق:"كانت القبيلة من العرب إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنأتها، وصنعت الأطعمة، واجتمع النساء يلعبن بالمزاهر كما يصنعون في الأعراس، ويتباشر الرجال والولدان؛ لأنه حماية لأعراضهم، وذبّ عن أحسابهم، وتخليد لمآثرهم، وإشادة بذكرهم. وكانوا لا يهنئون إلا بغلام يولد، أو شاعر ينبغ فيهم، أو فرس تنتج ( [12] ) ..."
وتحدَّث النهشلي عن منزلة الشعر عند العرب، وبيّن سبب ذلك فقال:"كانت العرب لا تعدل بالشعر كلامًا، لما يفخّم من شأنهم، ويُنْهي من ذكرهم ( [13] ) .."
وبيّن أبو عمرو مكانة الشعراء عند العرب، فقال:"كانت الشعراء عند العرب في الجاهلية بمنزلة الأنبياء في الأمم ( [14] ) .."
ولهذه المنزلة رفع الشعر ووضع، وخيفت ألسنة الشعراء، وكان لهم أسنان وأقدار، تُقبل شفاعتهم، وتكرم وفادتهم، ويُنزل عند قضائهم ( [15] ) .
ومثلما كان جلال الدور الذي نهض به الشعر سببًا في سمو قدره، وتعظيم منزلة صاحبه؛ كان خروجه إلى أغراض سفيهة سببًا في انحدار مكانة الشاعر، وسقوط همته، وتقديم الخطيب عليه.
وذائع مستفيض في كتب التراث ما آلت عليه حال الشعراء من هوان بعد عز، وسُفْل بعد علو.