غير أن ابن فارس لم يجز في هذا قياسًا لم يقسه العرب، ولا قولًا لم يقولوه. وفي ذلك حجر للغة عن التوالد والاتساع، وقصر لخطاها عن المضي في المؤاتاة والنماء. فإذا كان علماء الصرف قد آثروا الاستمساك بالوضع رعاية للأصل وتعلقًا به وحياطة له، كما فعل ابن فارس، فقد يتفق أن يقتاد الاستقرار إلى قياس لم ينبه عليه الأئمة كما أسلفنا، أو يتفق أن تتجاوز ملكة الأدباء المتمكنين هذا الحد بعفو الخاطر كلما ألجأت إلى ذلك حاجة في الاستعمال أو دفعت إليه قوة الأداء فتصطفي اللفظ الذي يقع موقعه المرتجى ويصير إلى مستقره المطمئن. والقريحة المطبوعة إنما تتدفق بمثله قصد إحكام الأداء ولو خالف الأصل المعروف. فانظر إلى ما قاله أبو محمد عبد الله بن سنان الخفاجي المتوفى (466) هـ. في كتابه (سر الفصاحة/ 62) : (وقد يكون التأليف المختار في اللفظة على جهة الاشتقاق، فيحسن أيضًا كل ذلك) . وأوضح مذهبه فقال: (ومثال لذلك مما يختار قول أبي القاسم الحسين بن علي المغربي في بعض رسائله: ورعوا هشيمًا تأنفت روضه، فإن: تأنفت، كلمة لا خفاء بحسنها لوقوعها الموقع الذي ذكرته) . وليس في اللغة -تأنفت- ولعل المغربي قد تصور: تنزه، فأتى بتأنف، طبعًا وسلاسة. قال ابن القوطية في كتابه (الأفعال) : (وأنفت من الشيء أنفًا وأنفة: غضبت، وأيضًا تنزهت عنه) .
وأورد الخفاجي مثالًا آخر فقال: (وكذلك قول أبي الطيب المتنبي:
إذا سارت الأحداج فوق نباته تفاوح مسك الغانيات ورنده
فإن تفاوح كلمة في غاية الحسن. وقد قيل إن أبا الطيب أول من نطق بها على هذا المثال، وإن وزير كافور الأخشيدي سمع شاعرًا نظمها بعد أبي الطيب، فقال: (أخذتموها) .
وهكذا قبل (تأنف) من المغربي، واستحسن (تفاوح) من المتنبي، ولو لم يسمعا أو يكونا على قياس معروف، لوقوع اللفظين موقعهما المختار في الأداء، وأنهما لم يخرجا في الاشتقاق عما ألف وقالته العرب من أمثالهما في أفعال أخرى.