ومع ذلك لما تقدمت العلوم الإحصائية والرياضية في الغرب طفق الباحثون يتلمسون في الحياة الاجتماعية جوانب تستجيب للتقدير الكمي من أجل بيان مستوى المعيشة. ينقل الجغرافي الفرنسي"دومنجون"في كتابه الجغرافية البشرية (13) أن الاقتصادي"ريثنغر"Reithinger فرّق في أوربة بين البلاد التي مستوى معيشتها مرتفع مثل بريطانية والسويد وفرنسة وبلجيكة والبلاد التي مستوى المعيشة فيها منخفض كبولندة وذلك بالموازنة بين السلع الغذائية المستهلكة. فإذا استهلك الإنكليزي وسطيًا 155 كيلو غرامًا قمحًا و 48 كغ سكرًا و 4. 0 كغ بنًّا و 177 كغ بطاطا استهلك البولندي مقابل ذلك 51 كغ قمحًا و 10 كغ سكرًا و 2. 0 كغ بنًا و 159 كغ شعيرًا و 932 كغ بطاطا والفرق راجع في رأيه إلى نمط الإنتاج الزراعي واختلاف معدل زيادة السكان.
إن دراسة مستوى المعيشة تعتمد أكثر ما تعتمد على الجوانب الكمية. وقد قيل قديمًا العلم قياس المقادير. ذلك أن القياس الكمي أوقر في البرهان من الوصف الكيفي. وقد جرت محاولات منذ مطلع هذا القرن لتعريف مستوى المعيشة وقياسه لدى شعب أو جماعة من الشعب. وذلك أمر مهم يقصد إلى أهداف إدارية أو إلى تخطيط النماء الاقتصادي والاجتماعي، ويعين على معرفة الحال الراهنة لحياة شعب بصورة عامة ومقارنتها بالأحوال الأخرى في مختلف الأمكنة والأزمنة، وعلى إيضاح الأحوال المعيشية لدى مختلف فئات الشعب الواحد.
*تعريف مستوى المعيشة وقياسه:
اتجه البحث في مرحلته الأولى نحو تحديد معيار معيشي لشعب ما بتعيين تكاليف معيشته أو بيان الحد الأدنى لنفقاته المطلوبة يوميًا. نجد مثل هذا الاتجاه عند الصناعي البريطاني ب. س. راونتري Rawntree (1871-1954) في بحثه المعنون"الفقر Poverty, a study of town life"وهي دراسة لحياة مدينة (سنة 1901) ، عرّف فيه معيار حاجات الشعب بأنه الحد الأدنى لتكاليف المعيشة في المدينة.