وعمد أهالي مدينة مبنج إلى عقد الصلح مع عياض على نفس الشروط التي صالح بموجبها أهل إنطاكية، وقد أقرَّ أبو عبيدة ذلك.
ومدينة منبج هذه تقع في الشمال الشرقي لمدينة حلب، وتبعد عنها نحو 80 كم، وتقوم على أرض فسيحة ترتفع نحو 398 مترًا سطح البحر، والمعدل السنوي لأمطارها يزيد على 250مم.
ويغلب على سكان هذه المدينة العمل بالزراعة أو رعي الماشية إلى جانب بعض الحرف الضرورية لتلبية حاجاتهم. ويعتبر القسم الشمالي والشمالي الشرقي للمدينة أكثر تطورًا من القسم الجنوبي، والجنوبي الغربي الذي يغلب على سكانه الطابع الريفي والاهتمام بتربية الدواجن والمواشي.
وإلى الشمال من مدينة منبج وعلى امتداد نهر الساجور تقوم هضاب مغطاة بالأحجار الصوانية، وتعود إلى العصر الحجري القديم المتوسط مما شجع أهالي المنطقة على استخدام تلك الحجارة في صنع أدواتهم الضرورية لحياتهم اليومية شأنهم في ذلك شأن جميع أناس عصور ما قبل التاريخ.
كما استغل سكان المنطقة القدماء، وفرة المياه فيها وقربها من سطح الأرض، وسهولة تناولها، فأوجدوا أنظمة للري وأنشؤوا أقنية للسقاية، فأصبحت المنطقة منتجعًا للراغبين في الحياة الهادئة المستقرة والتي تجعل من الزراعة وتربية المواشي والدواجن مصدر رزق كبير لهم.
ولقد أشار ياقوت الحموي إلى ذلك عند حديثه عن مدينة منبج بما يلي:
"كان على منبج سور مبني بالحجارة محكم، بينها وبين الفرات ثلاثة فراسخ وبينها وبين حلب عشرة فراسخ، شربهم من قُنِيٍّ تسيح على وجه الأرض، وفي دورهم آبار كثيرة، أكثر شربهم منها لأنها عذبة صحيحة" ( [8] ) .