أي: تمتعي أيتها الديار العزيزة بالأمن والهدوء والسلام من عبد الله الفاضل، لأننا سنقوّم أنوف الأعداء بالسيوف وهذه ناقتي البويضة ترعى في كل مكان ولا يستطيع أحد أن يجابهها بالصد أو المنع رغم شوارب الخصوم ولحاهم (وهو يرى في وضع البادية بزمنه هدوءًا وأمنًا يعود الفضل فيه إلى هيبته وخشية الأعداء من صولته وقوته ويستدل على ذلك بأمر ناقته التي أطلق لها الغدو والرواح والمرتع في أي مكان ينبت فيه الكلأ) . ... وخلوا لك عظام الحيل يا شير
ففي وجود ناقته وتجولها نذير للأعداء والخصوم أو الذين يحاولون الإخلال بالسكينة في ربوع العشيرة بأن الأمير القوي المرهوب الجانب وراءها يرى ويسمع ويدرأ عن العشيرة كل ما يعكر صفوها.
ولكن الوجوم قد بدا على وجوه أفراد القبيلة وخيم الحزن والكآبة على جنباتها في تلك السنة لأن مرض الجدري الوبيل قد ظهر وانتشر بين الخيام القريبة والبعيدة، وكانت الأخبار المتواترة تدل على وجود إصابات وضحايا كثيرة من فتك ذلك المرض، ولم تكن الوسائل الطبية الحديثة من اللقاح والوقاية معروفة في ذلك الحين، وكانت السلطات التركية التي تهيمن على البلاد العربية غير مهتمة بشؤون هؤلاء البدو الذين تراهم متنقلين في الصحراء، لا يخضعون لسلطانهم في معظم الأحيان، فهي لهذا لم توجه عناية كبرى لمحافكة ذلك الداء والقضاء عليه سواء أكان في المدن أم في الصحراء، فاستفحل الداء الخطر الذي قضى على الكثيرين، وأعمى العديدين وشوه وجوه معظم الذين أصيبوا به وقدر لهم أن ينجوا من الموت، وكان ينتشر بسرعة خاطفة بين أفراد العشيرة فلا توجد خيمة إلا وقد أصيب بعض أشخاصها بعدواه، منذرًا بالخطورة الكبيرة والضحايا الجمة والخسارة الفادحة.