فهرس الكتاب

الصفحة 20960 من 23694

إن خروج الشاعر على النظام القبلي الذي تواضع المجتمع على نظمه وأسلوب عيشه تركه وحيدًا يعاني أزمة حادة، فالوعاء الاجتماعي البديل والنظام الذي يسيّره غير متوافر على أرض الواقع، فتحولت حياته إلى وحدة قاتلة تؤنسها في حالات قليلة ثلّة من المطاردين الذين تلاحقهم جرائر أعمالهم، وتحاصرهم متطلبات حياتهم الجديدة، ومقومات ديمومتها واستمرارها، لذلك وجب عليه أن يحلم بتشكيل الإنسان المتوافق مع هذه الحياة، وعلى الرغم من وجود مشترك كبير لمواصفات الإنسان في الحياة القبلية الاعتيادية، وبين ما يؤمله الشاعر ويرتئيه، بيد أننا نلحظ تركيزًا شديدًا على المقومات البدنية والقوى الجسدية، وعلى الفطنة المستمدة من سداد الرأي، وعلى القول الذي يعي الآخرين في صرامة القيادة، وكلّها عوامل تؤهل الإنسان المراد للوفاء بمتطلبات الحياة الجديدة، والتآلف مع مقتضياتها القائمة على الغزو والسلب والإغارة، أساس حياة الصعاليك وسبيل تدفقها. ... ضَحْيَانَةٍ في شهور الصيف مِحْراق ( [20] )

وانطلاقًا من تلك الرؤية جعل الإنسان البديل والبحث عنه، همًا ملازمًا، واضطره إلى تقديمه مغيثًا يسند الآخرين ويفتديهم، ينصرف إلى الإغارة بحواسه كلها، وقدراته جميعها، لا يشغله عنها شيء، لأن الخطأ يعني الهلاك، والفوز يعني السيطرة على الأسلاب وجمعها، وتمكين الحياة من الاستمرار، وأشار ابن الأنباري ( [19] ) نقلًا عن أحمد بن عبيد إلى الرابط بين بغية الشاعر وما يعول عليه الإنسان المأمول بالقول"فهذا الذي ذكرت، على مثلهِ أعول، ومثله أطلب وأغزو لأصحبه ويصحبني".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت