لقد انفرط العقد الاجتماعي القبلي، وأمسى الشاعر خارج إساره بكل ما يمثله من مظاهر الحماية، والتكافل، والشعور بالاطمئنان، وانفتح على أفق الصحراء الواسع، حيث تتناهى مقومات الحياة إلى حدود دركها الأسفل، وتجعل سالكها فريسة الضياع والموت، إزاء ذلك تستنفر القوى الكامنة كلها لتبحث عن تحقيق ذات الفرد في إطار جديد. هنا يبدأ الشاعر الكشف عن مقومات الحلم، وعناصر بغيته فيه، محددًا دائرة الأولى، برفيق الدرب، وصديق العمر، الخلية الأولى في التنظيم البشري، إنه الصديق الذي صار خلًا، والخِلُّ عليه أن يتواصل متفاعلًا مع الآخر، تقوم وشائج العلاقة بين الطرفين على القوة المتمكنة، والترابط المفرط، لتذوب الذات في الآخر، عندها تثبت العلاقة لعوادي الدهر وقابل الأيام، لا تضعفها مواقف الشدّة والضنك، وإذا لم تتوافر مثل هذه المقومات، فهي غير جديرة بالقيام، ويعبر الشعر عن ذلك قائلًا:
إنّي إذا خُلِّةٌ ضَنَّتْ بنائِلها
نجوت منها نجائي من بَجيلة إذ ... ألقيتُ ليلةَ خَبْتِ الرَّهطِ أوراقي ( [9] )
لقد رفض الشاعر انطلاقًا من موقفه الثائر المتمرد، الصداقة التي تضن بموجباتها وأعرافها وتقاليدها، إنه يأبى الصديق الذي لا يكون لصديقه في السرَّاء والضراء، ولا يَنْشَدُّ إليها بحبال وثيقة متينة، ضاربًا عرض الحائط بسمات الضعف والآنية والمنفعة الخاصة. ولم يستمد الشاعر رأيه من تجارب الحياة واستخلاصاتها التي أفرزت هذا العرف الأخلاقي فحسب، وإنما استمدّه أيضًا من طبيعة حياته، وحياة أقرانه الصعاليك، التي تتطلب التوحد مع الجماعة حتى حدود التماهي، استجابة لما تكتنفه طبيعة حيواتهم من مخاطر تتلبسها حافة الموت المطلة في كل آن. ... بالعيْكَتيْنِ لدى مَعْدى ابن بَرّاقِ ( [10] )