وتستمد اللغة الحية حيويتها من تفاعلها مع المجتمع فتنمو مفرداتها وتتجدد بتأثرها بعوامل التطور كالعوامل الاجتماعية المتمثلة في الوضع الحضاري للمجتمع ومدى تقدمه ورقيه، وبما فيه من نظم وعقائد وعادات وتقاليد واتجاهات فكرية ووجدانية وثقافة عامة، وبما فيه من نشاطات عملية وعقلية، إلى غير ذلك من مظاهر سلوكية مختلفة، فتتشكل اللغة برؤية الناطقين بها للحياة والكون، وكذا وعيهم وإدراكهم للواقع الخارجي الذي يعايشونه وفي الوقت نفسه تقوم اللغة بتشكيل عوامل الاستمرار لهذه الرؤية بممارسة تأثيرها الذاتي في ترسيخ رؤية هذا النسق الثقافي المعين. وما ذهب إليه البحث يخالف النظرية الأرسطية وفرضية وورف، فالنظرية الأرسطية ترى أن اللغة انعكاس مباشر للفكر، فهو سابق في الوجود على اللغة، فهي لا توجده ولا أثر لها فيه؛ لأن الفكر من خصائص الإنسان الذي يميزه عن غيره من المخلوقات (7) ، أما فرضية وورف (Whorf Hypothesis) التي ظهرت في منتصف القرن العشرين والتي أطلق عليها، فرضية النسبية اللغوية، فهي تذهب إلى أن اللغة لا تقوم بدور المشكل للفكر، وليست هي ناقلة للتصور الذهني المتماثل لدى جميع البشر (8) . فالنظرية الأرسطية للغة تسقط من حسابها أثر التجارب الإنسانية المختلفة في إثراء اللغة والتي تقوم بدورها -أي اللغة- في تشكيل عوامل استمرار الفكر، وفرضية"وورف"تسقط -هي الأخرى- من حسابها كذلك قضية التغير اللغوي، وتصل باللغة لتكون نسقًا مغلقًا غير خاضع للشرائط التاريخية وملابسات التفاعل مع أنساق ثقافية أخرى (9) ، فاللغة والمجتمع في تغير مستمر، فمن البدهي إدراك التغير الاجتماعي ونواميسه ومظاهره، أما التغير اللغوي فهو يتطلب تفاعل القوى اللغوية الكلية والقوى الاجتماعية والثقافية الخاصة لتحريكه وتتجلى مظاهره في التغيرات اللغوية المختلفة الصوتية والصرفية والتركيبية والمعجمية.