فهرس الكتاب

الصفحة 20704 من 23694

شكوتُ لها ضر الغرام.. وحالها ... كحالي بكاء أو حنينًا يُرجَّع

ولا بدّ من شكوى إلى ذي مروءة ... يواسيك أو يسليك أو يتوجع

أما الثانية فمجمل القول فيها أن الناعورة والشاعر، كلاهما يعاني الأسى منذ عهد بعيد، لقد تعلمت سجع الحمام على أيكها، وتعلمت من الشاعر فن البكاء على أحبابه. يقول: ... مثلي فما تنفكّ ذاتَ توجُّع

ناعورة نشأة على عهد الأسى

كانت قضيبًا قبل ذلك يانعًا ... في أيكة نبتت بإثرة موضع

ناح الحمام بها وأبكاني الأسى ... فتعلمت نوح الحمام وأدمعي ( [14] )

ذلكم هو ابن نباتة المصري في حديثه عن نواعير حماة، لقد جمع بين فن الصناعة وروعة البداعة، وكان في صنيعه محسنًا.. وفي بديعه متقنًا، وكفى حماة أن تميس جمالًا وجلالًا على لهاة الشاعر المصري الذي قال فيها وفي مليكها المؤيد أبي الفداء: ... صفو.. وكل زمانها سَحَرُ

أما حماة فعيش ساكنها

إسكندرُ الأيام مالِكُها ... بدليل أن زمانَه الخَضرُ ( [15] )

وبعد:

ذاكم هو حديث النواعير في تراثنا العربي الزاهر، وهو غيض من فيض، وقليل من كثير، ولكن هذا الفيض.. وهذا الكثير غير مجموع في كتاب، ولكنه منثور.. متفرق شذر مذر في كتب الأدب والمختارات والرحلات ودواوين أهل الشعر من مطبوع ومخطوط، وضمّ هذه المتفرقات غير يسير، ويحتاج إلى قدر من التقصي والبحث للعثور على مقولات الشعراء في النواعير قديمًا وحديثًا. ولعل شعراء العهدين الأيوبي والمملوكي كانوا أكثر الشعراء إثارة وتفننًا في تكوين صورهم الفنية، وتلوينها بالمحسنات البديعية.. وما أقدرهم على ذلك. غير أن شعراء حماة لهم صولات وجولات في هذا الميدان، وما من شاعر حموي إلا وله في النواعير شعر مسموع، وصفًا أو ذكرًا، محاورة أو مناجاة، والحديث عنها طويل وهو بالتأكيد ذو فتون وشجون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت