وكأن حكمة الله اقتضت أن لا يتيسر لأحد من أهل بلادنا اختراع شيء مفيد لأن عقولنا ضعيفة فلا تحتمل ذلك (76) ألا ترى أن أحدنا إذا كان متقنًا علمًا ولو خسيسًا مثل الشطرنج (77) أو المنقلة (78) أو الدومنو (79) أو لعب الحكم (80) أو اللعب بالنبوت (81) ، أو كان يعرف يقسم أربعين قباوة (82) في سبعة صحون، يكاد يعلو شبرًا عن الأرض في مشيته تيهًا وعجبًا، مع أن هذه العلوم لا نفع منها بلا ضررها مقطوع به، فكيف لو توفق لعمل شيء مفيد للناس؟ فلا شك أنه يرى نفسه حريَّة بأن يحملها الناس على رؤوسهم. ... ذا غيرة عليه في التقدم
نعم إن الإنسان يرغب في مطالعة دواوين الشعر وهو [24] في سن العشرين إلى الثلاثين كما يقتضي طوره، فإذا تجاوز هذا السن ترك الشعر وانتقل إلى علم أرقى منه كعلم التاريخ ثم الطبيعة ثم الهيئة ثم الجغرافية وهكذا كلما ترقى عقله يترقى طلبه للعلوم. أما كونه يبلغ الأربعين والخمسين من عمره وهو باق في نقطة واحدة من الشعر والبديع والاستعارة وما أشبه ذلك ويقنع نفسه بأنه على شيء من العلوم فذلك ضرب من الجنون وقصور في الهمة، ألا ترى أن الطفل متى قدر على أن يمسك في يده شيئًا وأعطيته قطعة من الورق مثلًا فإنه يأخذها فرحابها فيقلبها وينظر في ظاهرها وباطنها ويتشاغل بها عن البكاء، وحينما تطول مدة بقائها في يد يتركها ويبكي فإذا رددتها إليه ثانية لم يأخذها، وأما إن أعطيته غيرها على هيئة جديدة كما إذا كانت مكتوبة قبلها ثم إذا رأى غيرها مذهبة ترك المكتوبة وطلب المذهبة وهكذا ينتقل من شيء إلى شيء أسمى. وكلما ترقى عقله ترقى مقصده على الدوام [25] .
نعم لا بأس بالشعر الحسن إذا كان متضمنًا مواعظ (89) وحكمًا من شأنها إنهاض الفكر والتنبيه على محاسن الآداب والإرشاد والحث على المحبة والاجتهاد كقول الشيخ حسين الجسر الطرابيشي (90) مؤلف الرسالة الحميدية: (من الرجز) :
وكن محب الوطن المعظم
فحبه عُدَّ من الإيمان ... وبغضه من أعظم الخسران