والذي يعني هذا البحث هو احتجاجهم بقراءات القرآن الكريم، الكتابِ الذي يُعَدُّ النص الموثوق به، والذي أجمع العلماء على الاحتجاج به، لأنه وصل إلينا بالتواتر عن التابعين، عن الصحابة، عن رسول الله (، وهؤلاء الرجال كلُّهم يحتج بكلامهم العادي، فكيف برواياتهم للقراءات القرآنية التي محضوها حبهم وأخلصوا لها جهدهم، فضلًا عن أن أئمة القراء أكثرهم من النحويين كأبي عمرو والكسائي ويعقوب الحضرمي؟
إلا أننا نرى فريقًا من النحويين، ولا سيما البصريون منهم، يتمسكون بأصولهم وقواعدهم التي أقاموها على استقراء ما وردهم وما سمعوه من كلام العرب، ويُخضعون القراءات القرآنية لتلك القواعد، فما اتفق من هذه القراءات مع قواعدهم أخذوه، وما اختلف تأَوّلوه أو ردُّوه، أو عدُّوه شاذًا.
وكان للمتقدمين (4) والمعاصرين رأي في مذهب البصريين هذا، فمن المعاصرين الذين أدلوا دلوهم في الاحتجاج بالقراءات القرآنية، في مضمار صوغ القاعدة النحوية، الأستاذ المرحوم سعيد الأفغاني، وسيجري الكلام فيما يلي على موقفه من العلاقة ما بين القراءات القرآنية والقواعد النحوية (5) .
ولعل من المفيد، قبل الشروع في تبيان رأي الأستاذ، الإشارة إلى الشروط التي وضعها العلماء للقراءات المتواترة والصحيحة والشاذة.
1ـ القراءة المتواترة: هي ما توفر فيها الشروط التالية:
1ـ التواتر: أي أن ينقل القراءة جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب، عن جمع مثلهم.
2ـ موافقة الرسم العثماني.
3ـ موافقة قواعد العربية (6) .
2ـ القراءة الصحيحة:
1ـ صحة السند إلى رسول الله (.
2ـ موافقة العربية ولو بوجه.
3ـ موافقة أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا (7) .
3ـ القراءة الشاذة: هي القراءة التي اختلّ فيها ركن من الأركان المذكورة في شروط القراءة الصحيحة (8) .
منهج الأستاذ الأفغاني في الاحتجاج بالقراءات: