وبقيت الحال كذلك حتى أعلنت الحرب العالمية الأولى عام 1914، ودخل الترك والعرب في دوامتها لتنجلي نتائجها عن خروج الأتراك من بلاد الشام إلى غير رجعة، وبذلك انتقلت العربية إلى حال أخرى خصص لها الأستاذ الباب الثاني من كتابه.
وكان كلامه عن هذه الفترة التي حكم فيها الملك فيصل يثلج الصدور إذ قفزت العربية خلالها وفي أقل من سنتين قفزات ناجحة، ورأينا كيف ألغت الدولة اللغة التركية واعتمدت العربية في الدوائر الرسمية والمدارس، وكيف تأسس المجمع العلمي العربيّ، ليكون القلعة الحصينة الحامية للعربية.
ولكن العربية دخلت في منعطف جديد مع دخول الفرنسيين سورية ولبنان أرخ له أستاذنا في الباب الثالث من الكتاب؛ فأشار إلى الهجوم الذي شنّه الفرنسيون على اللغة في سبيل إضعافها، ونشر الفرنسية عوضًا عنها واستعمال سياسة الترغيب والترهيب في المدارس، إضافة إلى حشر المعلمين الفرنسيين الاستخباريين ومحاربة معلمي العربية والوطنيين.
ومع هذا الوضع الذي فرضه الانتداب فإنّ ثلاث قلاع حصينة قامت في وجهه تبث النور والعروبة توقف عندها أستاذنا توقفًا مباركًا ليتناولها بإسهاب ويذكر مآثرها؛ تلك هي ثانوية دمشق (مكتب عنبر) ، والمجمع العلمي العربي، والجامعة السورية.
أما مكتب عنبر الذي كتب عنه ثلّة من الباحثين (2) تناولوه من الذكريات والتاريخ، فقد توقف أستاذنا عند أثره في اللغة فأشار إلى جهود الرعيل الأول من أساتذته الذين رسخوا العربية الفصحى وما زالوا يؤثرون في تلامذتهم حتى ظهر منهم خطباء وشعراء اشتهروا على صغر سنهم (3) .