وإني لأعترف بأن أستاذنا الأفغاني كان له أثر بعيد جدًّا في تكوين فكرنا النحوي، وأن أكثر ما نعرفه من أصول تدريس النحو والصرف يعود إلى هذه السنة الجامعية الأولى التي كان الأستاذ الأفغاني الربّان الماهر لسفينتها، والقائد الحكيم لمسيرتها.
لعل من العسير أن أحصي كل ما تركته محاضرات العلامة الأفغاني في تكويننا الثقافي، غير أني ألفت الانتباه، على سبيل المثال لا الحصر، إلى أبرز القواعد الأساسية التي كانت خير مرشد لنا في دراستنا الجامعية من بعد، ثم في عملنا مدرسين في مختلف مراحل التعليم الثانوية والجامعية.
يقول شيخنا في مقدمة كتابه"الموجز في قواعد اللغة العربية وشواهدها": (جريت في تفصيل موادّ الكتاب على خطة غير بعيدة، فعُنيت بالشواهد، وانتقيتها بليغةً من عيون كلام العرب في عصر السليقة، تنميةً لملكة الدارس، وتوسيعًا لآفاقه في إدراك أحوال أمته، لكون هذه الشواهد مصوّرةً أحوال مجتمعات أصحابها أصدق تصوير، تصويرًا لا نجده ـ بهذه الدقة والصفاء ـ حتى في كتب التاريخ نفسها، وهي، متى استُوعِبَتْ، أعوَدُ على الملكات من كثيرٍ من القواعد المحفوظة والتعليلات المتكلَّفة. وجنّبتُ الدارس الأقوال الموجوحة والمذاهب الضعيفة، مختارًا ما ثبتت صحته على الامتحان) (2) .
وقد التزم في تدريسه لنا أن يرسّخ في عقولنا هذه القواعد في البحث والاستقصاء لتكون خطواتنا في تحصيل العلم. ثم في إيصاله، سليمةً في مقدماتها ونتائجها.