فهرس الكتاب

الصفحة 20209 من 23694

كان كبت الحريات وكمّ الأفواه في بعض السنوات من الخمسينيات، قد بلغ أن يُحاسَب المُواطنُ على اللفظة المهموسة، والكلمة المكتوبة، وكان من الملاحَظ أنّ المسؤولين آنذاك ـ على كثرة ما كانوا يخطبون ـ ليسوا على شيء مذكور من التثقّف، يستطيعون معه أن يقرؤوا أو يكتبوا أو يخطبوا، بلغة صحيحة. ويطلب الأستاذ يومًا من أحد الطلاّب أن يقرأ نصًّا لغويًا. فينهض واقفًا ـ لسوء حظّه ـ فيقرأ قراءةً مملوءة بالأخطاء. فيزعق به الأستاذ زعقة تصخّ الآذان:"ما هذه القراءة المخزية؟؟ أأنت وزير؟! أأنت رئيس مجلس وزراء؟!! اِهبط"ْ.

في عام 1946 كان صديقنا الدكتور مكّي الحسني تلميذًا في الحلقة"المتوسّطة = الإعدادية". وكان الأستاذ الأفغاني آنذاك، معلّمًا للغة العربية في مدرسة"التجهيز الأولى = جودة الهاشمي اليوم". فيكلّف الطلاّب أن يستظهروا عشرين بيتًا من الشعر من قصيدة عدّة أبياتها أربعون بيتًا. وقد أتقن صديقنا العشرين بيتًا إتقانًا حسنًا ـ ولكن لسوء حظّه ـ لم يطلب إليه الأستاذ إلقاءها. ثم يكلّف طلاّبه استظهار العشرين بيتًا الباقية من القصيدة. فإذا جاء موعد الدرس الثاني طلب من صديقنا أن يسمعه ما حفظ. فيبدأ بإلقاء العشرين بيتًا الثانية. فيقول له الأستاذ: بل ابدأ من البيت الأول. فيحاول فتخونه ذاكرته. فيدافع عن نفسه بأنّ القسم الأول للأسبوع الماضي والقسم الثاني لهذا الأسبوع. فيأبى الأستاذ إلاَّ أن يلقي الطالب القسمين جميعًا، فيخفق. ويسأله: ما علامتي؟ فيقول له:"صفر". ويرى الطالب أنه مظلوم، فيحتج بأنه يتقن حفظ القسم الأخير أحسن الإتقان. فيقول له الأستاذ: أراك تظنّ أنّ الصفر قليل!! وهل كلّ طالب يستحقّ أن ينال الصفر؟! وهل يتاح الصفر لكل أحد كل يوم؟!! ويرجع صديقنا إلى مقعده مبتهجًا متهلّل الوجه!! يحمد الله على ما أنعم، وأنه نال ما لا يناله كل أحد!!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت