في أواخر الخمسينيات، تنتسب إلى كلية الآداب طالبة من مدينة حمص، اسمها:"ميجيت: muguette وهو بالفرنسية اسمُ صنفٍ من الزهور". فإذا ذكر الأستاذ اسمَها لسبب من الأسباب جعله عربيًا:"آنسة مكِّيَّة!!"اقرئي،"آنسة مكِّيَّة!!"أحسنت،"آنسة مكِّيَّة!! لا تقولي كذا وكذا"الخ...، فكانت صديقاتها يتندّرن فينادينها باسمها الجديد!! مزاحًا واستطرافًا.
كان ديكران بورسليان ـ أبو سمير ـ صديقًا لي. وكان عميق العروبة حتى نِقْي عظامه، شهمًا في الرجال مخلصًا صادقًا أمينًا، يندر أن تجتمع صفاته في رجل. وكانت ابنته"دعد"يومًا تلميذتي. وقد وجد في تسميته أبناءَه تعبيرًا عن انتمائهم القومي"سمير ـ دعد...". وقد غرس في نفوسهم حبَّ العربية، حتى لقد انتسبت دعد من بعد إلى قسم اللغة العربية، وغدت بعد تخرّجها مدرّسة لهذه اللغة. ويبدو أن الأستاذ رضي رضًا عميقًا عن اقتران"دعد"بـ"بورسليان"فقال لها يبدي إعجابه بذلك: ما أحسنَ أبوك إليك بشيء، إحسانَه إليك بتسميتك"دعد".
وكان إذا أحسّ رغبة في النكتة، ورآها واقعة موقعها، لم يثنه عن إيرادها شيء:
فلقد كان أصدر كتابه البديع المتميّز"في أصول النحو"، ونقل فيه عن كتاب"القراءات واللهجات"فقال: [كان أهل الشام يقرؤون"إبراهام"بألف في مواضع دون مواضع"وهي قراءة أهل الشام قديمًا"ثم تركوا القراءة بالألف وقرؤوا جميع القرآن بالياء... فرووا أنّه قيل لمالك بن أنس: إنّ أهل الشام يقرؤون"إبراهام"فقال:"أهل دمشق بأكل البطيخ أبصر منهم بالقراءة"، فقيل:"إنهم يدّعون قراءة عثمان"فقال مالك:"ها مصحف عثمان عندي"ثم دعا به فإذا فيه كما قرأ أهل دمشق... وفي سائر المصاحف"إبراهيم"مكتوب بالياء في جميع القرآن إلاّ في البقرة فإنه بغير ياء] "في أصول النحو /37 /38". وقد علّق على ذلك في الحاشية فقال:"فثبت أنّ بصر أهل دمشق بالقراءة لا يقلّ عن بصرهم بأكل البطيخ".