ويقول: حدثني مندل عن مجاهد عن ابن عباس أنه قرأ ناخرة، وقرأ أهل المدينة نخرة، وناخرة أجود الوجهين في القراءة لأن الآيات بالألف، ألا ترى أن ناخرة، والحافرة والساهرة أشبه بمجيء التنزيل، والناخرة والنخرة سواء في المعنى بمنزلة الطامع والطمع، والباخل والبخل.
فالكلمتان عنده مستويتان في المعنى، والنظم القرآني يختار ما يتفق والمقاطع أو الفواصل ـ رؤوس الآيات ـ وينسجم مع النسق الموسيقي العام في آيات السورة، فإذا كانت الفواصل كلها بالألف فإن القراءة الأصح لناخرة بالألف لأنها أشبه بمجيء التنزيل، كما يقول: لموافقة هذه القراءة الأخيرة لرؤوس الآيات في السورة.
وتارة يسمي هذا التوافق الصوتي، استقامة في القراءة، فيقول: وقوله عز وجل: (واللهُ أَعْلَمُ بما يُوعُونَ (( 31) . الإيعاء ما يجمعون في صدورهم من التكذيب والإثم والوعي. لو قيل (والله أعلم بما يَعُون) لكان صوابًا، ولكنه لا يستقيم في القراءة. أي لا يستقيم مع ما قبله من الآيات: (فَمَا لَهم لا يُؤْمِنُونَ، وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهمُ القُرآنُ لاَ يَسْجُدُونَ، بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِِّبُونَ، واللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (( 32) ، ولعل الفراء يقصد أن لفظ يعون لا يستقيم مع رؤوس الآيات الأخرى لأنه مفتوح الأول دون غيره المضموم الأول: يُؤمنون، يُكذِّبون، يُوعون. ثم لعله يشير إلى الوزن الموسيقي للكلمة، فهو في (يوعون) أكثر اتفاقًا منه في (يعون) ، لأن (يعون) ينقصها حرف ساكن، وكل من الفواصل الأخرى مكون من ستة حروف. والضم في هذه الآيات هو النغمة السائدة ـ أو المفتاح الموسيقي ـ لها.