أعطى المقري أهمية كبيرة للجغرافيا في كتابه"نفح الطيب"، فتحدث عن المدن الأندلسية وسكانها، وذلك بعد أن حدد مفهوم كلمة (أندلس) اعتمادًا على أقوال بعض المؤرخين، ثم قام بوصف مناخ تلك البلاد، وبين مساحتها وحدد أراضيها وأول من سكنها.
والواقع أن المدينة هي المكان المستقر الذي يقع فيه الحادث، وفكرة المكان هي أبسط ما توحي به الجغرافيا، لذلك فإن الحديث عن المدينة أو المكان هو توطئة وتكملة للحادث.
وتاريخ الإقليم المحدد هو تاريخٌ مرتبط بعضه ببعض في وحدة متكاملة، أي أن الحادث مرتبط أشد الارتباط بمحيطه.
أما السكان فهم المتسببون في الحادث، المسيرون له، الفاعلون فيه. ودراسة المكان وسكانه تتمثل في الوصف والتعليل، وربط كل ظاهرة بشرية بالعلاقات التي تربطها بالوسط المحيط بالإنسان.
لقد بدأ المقري حديثه عن الأندلس بقوله:"محاسن الأندلس لا تستوفى بعبارة، ومجاري فضلها لا يشق غبارُه وأنّى تُجارى، وهي الحائزة قصب السبق في أقطار الغرب والشرق" ( [1] ) .
وهكذا فإن هذه العبارة تعتبر تلخيصًا لما سيقوله المقري عن بلاد الأندلس عامة، فهو حديث إطراء ومدح، يُختتم أحيانًا بالدعاء لعودتها إلى رحاب الإسلام.
أ ـ وصف المدن:
يتطرق المقري إلى عدة مواضيع مرتبطة بالمدن، كذكر أبعادها، والمسافات التي تفصل بعضها عن بعض، كما يتعرض لمحيطها الطبيعي من جبال وأنهار ومناخ، ويذكر أعمال المدن أو القرى والمداشر التابعة لهذه المدينة أو تلك. ويولي أهمية كبيرة لمختلف عناصر الحسن الميزة لكل مدينة، ويتعرض أخيرًا لخراب بعض المدن واندثار أثرها.
وفيما يخص الأبعاد يورد المقري قول أحدهم فيما يلي: طول الأندلس ثلاثون يومًا، وعرضها تسعة أيام ( [2] ) . ويقول في مكان آخر ـ نقلًا عن ابن بطوطة ـ: وخارجها ـ أي غرناطة ـ لا نظير له، وهو مسيرة أربعين ميلًا ( [3] ) .