ومن الجلي أن الصوفية، وإن كانت مسلكًا ذاتيًا لاكتمال مسيرة الروح وتطهيرها، فإن حضور التصوف كان واسعًا في مجالات الفن والثقافة والحياة الاجتماعية. وفي الحديث"إن الله جميل، ويحب ما هو جميل". ويعلق ابن عربي على ذلك قائلًا:"إذا كان الله يحب جمال الصور فذلك لأنها تعكس جماله، على النحو نفسه الذي تعكس فيه الوجود"ويضيف الرومي: الجمال مقدس، وتأمله يجعل المرء يشارك في القداسة. وقد أشار الرومي كثيرًا إلى أهمية التأثير الروحي للجمال الذي يُلقي بالناظر في متاهات الحيرة والدهشة، وقدرة الفن على إيجاد المقدس تتمثل في الإعادة، والإنسان المبدع يعيد الخلق بمساعدة الشعائر. وكل صلاة تعني أن يكون الإنسان في تناغم مع كون مقدس، يصلي فيه الطائر عندما ينشر جناحيه، والشجرة عندما تقدم ظلًا.
ومن المؤكد أن عددًا كبيرًا من الصوفية لم يكونوا مجرد نُساك زهاد، بل شعراء يتغنون بالمحبة الإلهية، منهم: عمر بن الفارض، العطار، سنائي، جامي، وغيرهم ممن أعطوا العديد من الدواوين الشعرية، والكتب والرسائل.
كما ألهم التصوف المبدعين في فنون الموسيقى والغناء. وكانت الطرق الصوفية جسرًا بين عقلانية المراتب الصوفية العالمية والتدين الشعبي، وشعراء التصوف هم الذين نظموا أناشيد الحب المخلص والتوسل في اللهجات المختلفة للجماعات، مما غدا سبيلًا لتثقيف هذه الجماعات، ومن المفيد أن نشير إلى أن الطرق الصوفية أدت مهمة كبيرة في المجتمعات التقليدية في العالم الإسلامي، كان الناس خلالها يعيشون في ظلال الزوايا، ويستمعون إلى القرآن، وإلى أناشيد المتصوفة، ويشاهدون رقصاتهم، وبذلك تؤدي الطرق الصوفية وظيفة تثقيفية، واجتماعية، حيث لا فوارق طبقيّة بين أبناء الطريقة وأتباعها.