وبعد أن تم القضاء على ذلك الحكم المطلق الرهيب ظلت النفوس متهيبة من الولوج في ميدان العمل العام. فكانت مهمة الزهراوي كما سبق وذكرنا استنهاض الهمم فبعد أن يذكر بفظائع العهد البائد"أن السيئة العظمى التي هي غلبة الاستعباد ولا أقول الاستبداد قد زالت بحول الله. وأعظم ما يجب علينا اليوم هو سد كل المنافذ التي يخشى أن تعود تلك السيئة من جهتها. نعم أن الروح الذي كان سائدًا في ذلك العهد هو روح الاستعباد... حتى لقد أصبح من أبده الأشياء أن يقول الناس أجمعون نحن عبيد السلطان، وعبيد الحكومة، وصار أحب الألقاب إلى المقربين لقب ا لعبد الخاص" (48) ويستمر بتذكير المواطنين تلك الفظائع التي شملت كافة شرائح المجتمع"فالأفراد من العسكر كانوا يخدمون في تلك العسكرية ثماني سنين وتسع سنين في الغالب.. وأكثرهم لا يفرحون بلباس جديد يناسب الإنسان طول هذه المدة وبعضهم تأتي عليهم ظروف لا يكفون فيها ألم الجوع" (49) . و"المغرمون بالمعارف مثلًا قد حيل بينهم وبين المباحث والكتب الاجتماعية والسياسية، وحرم عليهم اقتناء شيء من تلك الكتب تحريمًا يؤيده العقاب الشديد إذا وقعت المخالفة (50) و"لا تسل عن حالة الفلاح المسكين، فإن الاستعباد قد أناخ عليه بكلكله حتى تركه لا يستفيد من كل متاعبه المتمادية إلا أخشن العيش مشوبًا بالمذلة أو المهانة" (51) والصناع"قد أنهكتهم تلك العسكرية التي وصفناها آنفًا حتى أصبح الفلاح الموصوف آنفًا أحسن حالًا منهم" (52) . والتجار بحكم صلاتهم التجارية مع الأمم الأخرى"كانوا يعرفون الفرق بين البلاد التي تتجلى فيها حقوق الإنسان من حيث أنه إنسان، وبين البلاد التي يقول أهلها نحن عبيد الحكومة" (53) . والأموال كانت تجبى من المواطنين تحت أسماء شتى"كثير منها غير مرتبط بقانون مستمر، ومن تلك الأسماء: الإعانات، والقروض الجبرية..." (54) ."