يكتسب"الظل"في فن الرسم، بعدًا دلاليًا خطيرًا، حيث لا يمكن تصور العناصر قائمة في حيز الصورة من غير أن تكون لها ظلالها الخاصة. وليس الظل في هذا الفن ما يمتد على الأرض في الطرف الآخر من منبع الضوء، ولكن الظل ما يكتنف ـ كذلك ـ بعض ملامح العناصر انطلاقًا من الزاوية الرؤية التي تباشر العنصر والموضوع معًا. فيكون الظل شدَّة في اللون وقتامة، أو يكون تلاشيًا وانفتاحًا. وعليه يكون في الظل ما يكون في تدرُّج الألوان من القاتم المعتم إلى الفاتح الذي يغزوه البياض من كل ناحية. ولا يفهم أبدًا من الظل ـ في فن الرسم ـ أن يكون لونه أميل إلى السواد المحض، أو الرمادي الغامق..
وحين نأتي إلى"الظل"في دلالات الألفاظ، فلسنا نقصد فيها بعدًا واحدًا، يحدده ظل واحد، وإنما نقصد ما يلي التدرج اللوني في الرسم. فيكون الظل ظلالًا، تمتد.. أو تتراكب.. أو تتقاطع.. بحسب الحقول الدلالية التي تفتحها الدلالات، وتراسلها عبر مسافات التأويل. فكل لفظ ـ حسب ما تقتضيه نظرية الحقول الدلالية ـ ينفتح على ظلال خاصة. إما أن يكون بناؤها مطّردًا في اتجاه واحد، وإما أن يكون منشعبًا إلى اتجاهين متدابرين.
وخير مثال نسوقه لتبيان هذه الحقيقة مشاهد من القرآن الكريم: قوله تعالى: (واشتعل الرأس شيبا((مريم 4) فإننا نحاول ملامسة الظلال الممتدة من الألفاظ إلى الغايات الدلالية، نحاول في حقيقة الأمر ملامسة الخطاب الكامن وراء الآية الكريمة. ذلك أن تحديد الظلال المتراكبة في كلٍ من"الاشتعال"و"الشيب"يقدمها لنا على النحو التالي:
ـ الاتجاه الأول: اتجاه القوة.
الاشتعال
الشيب
القوة
الوقار
التوهج
الاكتمال
الجنس
التمكن
الشدة
الحكمة
ـ الاتجاه الثاني: اتجاه الضعف.
الرماد
الشيخوخة
الخمود
الوهن
الاحتراق
الضعف الجسدي
الضعف الجنسي
اليأس