فهرس الكتاب

الصفحة 2008 من 23694

وما دمنا بصدد الحديث عن التربية السياسية عند الزهراوي لابد لنا من التعرض للكيفية التي عالج بها الزهراوي واحدة من أعقد وأحرج القضايا في ذلك الوقت ونعني بها قضية (الاتحاد) بين أقاليم الدولة العثمانية. ولقد كان الزهراوي يومئذ مع الاتحاد وكان تأييده للاتحاد ينبع -كما سنلاحظ- من أسباب سياسية وعمرانية واجتماعية أكثر مما يعتمد على أسباب وروابط دينية وهو وإن كان يؤيد الاتحاد إلا أنه يخضعه لشروط وتحفظات عديدة تدل على وعيه، ونضجه فهو يهاجم الاتحاديين (جمعية الاتحاد والترقي) دون مواربة، ويتهمهم بالتعصب واتخاذ قضية الاتحاد ذريعة للتسلط ولتقديم العنصر التركي على بقية العناصر. وبعد أن يعطي الزهراوي تعريفًا للاتحاد النافع، يرى أن للاتحادات الإنسانية من حيث هي ثلاث أسباب: الأول سائق الدين، والثاني سائق الأسر والقسر والاضطرار، والثالث داعي الاحتياجات المدنية والعمرانية. وبعد أن يستبعد الحديث عن السببين الأولين، وبعد أن يرد على من يزعم بأن المقصود بالاتحاد هو اتحاد المسلمين العثمانيين، أو اتحاد الترك يقول:"كلامنا في مسألة الاتحاد مع الذين يقولون نحن مدنيون، ونوضح كلامنا فنقول نحن مسلمون ولكنا لا نريد اتحادًا يكون خارجه أبناء وطننا من غير المسلمين، ونحن عثمانيون، ولكن لا نريد اتحادًا يكون خارجه كل أبناء الوطن من غير الترك" (37) .

و"تفسير هذا الكلام بغاية الصراحة، أن الاتحاد النافع هو الذي يبقى فيه العربي، مثلًا، عربيًا، والرومي روميًا، والألباني ألبانيًا. ولا يسيء أحد بأحد الظن حين يريد خدمة لسانه ويسعى في ترقية أفكار قومه، ويظهر تمنيه بأن يكثر بينهم العلماء والأدباء... والاتحاد إذا كان من أجل الوطن (كما يدعي الاتحاديون) فالرجل الذي يستطيع أن ينسى قومه وقوميته، لا يأمنه على الوطنية إلا أحمق، فإن من لا قوم له لا وطن له، ومن ينسى أهله، فهو ناس وطنه قبل ذلك" (38) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت