(33) واقعة إحراق السفن المنسوبة إلى طارق بن زياد لم تحظ بالتحقيق والعناية، وقد اختلف المؤرخون حولها بين الظن واليقين، وأوّل من ذكر هذه القصة هو أبو عبد الله محمد الإدريسي (560هـ) صاحب كتاب"نزهة المشتاق"، إذ يقول:"لمّا جاز طارق بِمن معه من البرابر، وتحصنوا بِهذا الجبل أحسَّ في نفسه أنَّ العرب لا تثق به فأراد أن يزيح ذلك عنه، فأمر بإحراق المراكب التي جاز عليها..." (انظر: نزهة المشتاق، ص: 178) . ولئن شكَّ بعض المؤرخين في الحادثة، فإنَّ هذا الشك جاء أولًا من بعض المستشرقين الذين يشك في نواياهم، ونحن لا نشك في الحادثة، وإن شك فيها بعض الناس، لأنّ حرق السفن عمل جيد من الناحية الاستراتيجية، فهو بهذا العمل يكون قد قطع على الجيش كلّ أمل في العودة إلى المغرب، وليدفع جنوده إلى الاستبسال في القتال والاستماتة في الاندفاع، إلى الأمام. كما أنَّ الخطبة تؤيد صحة هذه الواقعة فهو يستهلها بقوله:"أيّها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر..."والدليل على صحة الرواية أنَّ مثل هذه الواقعة كانت شائعة ليس فقط في التاريخ العربي الإسلامي، وإنّما في التاريخ الإنساني عمومًا، ومنذ أقدم العصور فقد ذكر جرجي زيدان أنَّ الأحباش عندما غزوا اليمن وبعد عبورهم البحر تصدّت لهم جيوش الدولة الحميرية الكثيفة، فخطب أرباط قائد الجيش الحبشي في جنده قائلًا:"يا معشر الحبشة قد علمتم أنّكم لن ترجعوا إلى بلادكم أبدًا، هذا البحر بين أيديكم إن دخلتموه غرقتم وإن سلكتم البر هلكتم واتخذتكم العرب عبيدًا وليس لكم إلا الصبر حتى تموتوا أو تقتلوا عدوكم" (انظر: العرب قبل الإسلام، ص: 148) .