وعلى الرغم من إشادة بعض الروايات العربية الإسلامية بهذه الخطبة، وتنويهها بما كان لها من أثر في إذكاء شجاعة الجند، وتَمتين الثقة بأنفسهم لِتحقيق الانتصار والظفر بفتح هذه البلاد ونشر الإسلام في ربوعها، فإنّ بعض الدارسين ارتابوا في نسبتها إلى فاتح الأندلس، وقدّموا حججًا واهية. وقد تبين من خلال هذا العرض بطلان تلك الحجج والآراء التي تشكك في صحة هذه الخطبة ونسبتها إلى طارق، وتبين أيضًا أنّ هذا الشك جاء أوّلًا من بعض المستشرقين الذين يشك في نياتِهم، وقد كشفتُ عن بعض ما يرمي إليه الشك، والهدف الذي يسعى إليه"الاستشراق"و"التبشير"و"الاستعمار"من بث مثل هذه الأفكار السامة. وأخوَفُ ما يُخَافُ أن يأتي يومٌ يشك فيه في الفتح، وفي الوجود العربي الإسلامي الذي دام ثمانية قرون بالأندلس، وأنْ تُصبحَ شخصيةُ طارق أسطورة، وعبورُهُ العظيم للبحر، وانتصاره على ملوك الأندلس وفتحه الطريق للمسلمين نحو قلب أوربة أسطورة... لهذا كله، نحن لا نشكُّ في صحة الخطبة ونسبتها إلى طارق، ولا في حادثة إحراق السفن، وإن شك فيهما كثير من الناس، ونرى أنَّ نسبة الخطبة إليه ثابتة، وإن كان اختلاف النصوص في المصادر القديمة يدعو إلى الاعتقاد بأنَّ الخطبة قد أدخلت عليها تعديلات وإضافات من قبل الأجيال اللاحقة حتى انتهت إلى الشكل الذي هي عليه الآن، بل الراجح أنَّ طارقًا لابد أنْ يكون قد خطب في جنوده خطبة أثارت حماسهم، هي من أروع ما سجّله الرواة، خطبة تنبع من قلب قائد عظيم يقاتل في سبيل الله.
ولكننا نظنّ أنّه ألقاها بأسلوب مبسط، مع ترجمة إلى اللهجة القبائلية (كما يفعل بعض الخطباء اليوم) ، لأنّها وجهت إلى جنود معظمهم من البربر، لم تكن لغتهم العربية قد وصلت إلى مستوى عال مما عليه الخطبة فهم حديثو العهد بالإسلام والعربية، ولاسيما أنَّ العربية هي أبطأ في الانتشار من الإسلام (74) .
المصادر والمراجع