وقد تبلور علم السيمياء على يد علماء الأصول والتفسير والمنطق واللغة والبلاغة. وكان الباحث والموجه للدرس السيميائي هو القرآن الكريم؛ إذ منذ نزوله كان التأمل في العلامة بغية اكتشاف بنيتها الدلالية. فقد أرشد القرآن الكريم في مواضع عدة إلى تدبرها، ومن ذلك قوله تعالى: )إن في ذلك لآياتٍ لقوم يعقلون (. الرعد، 4. وقوله: ) وعلاماتٍ وبالنجم هم يهتدون(. النحل، 16.
ففي هذا التوجيه الرباني كان التعامل مع العلامة قصد فهم دلالته الروحية والعقلية والكونية، والاستدلال بحاضرها على غائبها. يقول القاضي عبد الجبار:"إن من حق الأسماء أن يعلم معناها في الشاهد ثم يبنى عليه الغائب" (16) . وقد أشار إلى هذا المعنى -كذلك- الراغب الأصفهاني، وذلك حينما تحدث عن الفقه، فيقول:"إن الفقه هو معرفة علم غائب بعلم شاهد" (17) .
فمن هذه الوجهة تعامل العلماء مع العلامة من حيث هي علامة تدل على حقيقة حسية حاضرة تحيل إلى علامة دالة على حقيقة مجردة غائبة.
ثالثًا: ماهية العلامة:
الواقع أن دراسة نظام العلامات قديم قدم الحياة نفسها، ولكن المنطلقات النظرية لهذه الدراسة اختلفت من عصر إلى عصر، ومن أمة إلى أخرى، وذلك لاختلاف الحقب التاريخية، واختلاف الحضارات. وقد وصلت بعض الأفكار السيميائية من حضارات قديمة كالحضارة اليونانية والعربية، إلا أن تلك الأفكار السيميائية ظلت في إطار التجربة الذاتية، ولم تدخل في إطار التجربة العلمية الموضوعية (18) .