أما الدراسات السيميائية الحديثة فقد تشعبت في مجالات عديدة وحضارات مختلفة، بحيث لم تبق حكرًا على أمة دون أمة، وثقافة دون أخرى. وأخذ العلماء يفحصون نصوص الحضارات القديمة بحثًا عن تأملات وخواطر سيميائية لعلهم يعثرون على بدايات معمقة وجادة لهذا العلم. فالرغبة الكامنة في السيمياء والتي ما تزال توجه مسيرة البحث فيها هي الرغبة في الإحاطة الشاملة، ولو أن الإحاطة تبدو صعبة التحقيق، إلا أنه لا بد من إجهاد العقول لتحقيق ذلك الطموح.
مصطلح"سيمياء":
أتحدث بادئ ذي بدء عن معنى"السيمياء"لغة، ثم أنتقل إلى معناها اصطلاحًا.
أ-معنى (السيمياء) باللغة العربية:
السيمياء: العلامة، مشتقة من الفعل"سام"الذي هو مقلوب"وَسَمَ"، وزنها"عِفْلَى"، وهي في الصورة"فِعْلَى"، يدل على ذلك قولهم: سِمَةٌ، فإن أصلها: وِسْمَةٌ، ويقولون: سِيمَى بالقصر، وسيماء بالمد، وسيمياء بزيادة الياء وبالمد، ويقولون: سَوَّمَ إذا جَعَلَ سمة، وكأنهم إنما قلبوا حروف الكلمة لقصد التوصّل إلى التخفيف لهذه الأوزان، لأن قلب عين الكلمة متأتٍ خلاف قلب فائها، ولم يسمع من كلامهم فعل مجرد من"سَوَمَ"المقلوب، وإنما سمع منه فعل مضاعف في قولهم: سَوَّمَ فرسَهُ، أي: جعل عليه السيمة، وقيل: الخيل المسومة هي التي عليها السيما والسومةُ، وهي العلامةُ (2) .
وقد ورد هذا المعنى في القرآن الكريم في عدة مواضع، منها قوله تعالى: )تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناسَ إلحافًا (. البقرة(273) . وقوله: )وبينهما حجابٌ وعلى الأعراف رجالٌ يعرفون كلا بسيماهم (، الأعراف(46) . وقوله: )ونادى أصحاب الأعراف رجالًا يعرفونهم بسيماهم (، الأعراف(48) ، وقوله: )سيماهم في وجوههم من أثر السجود (، الفتح(29) . وقوله: )يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام (، الرحمن(41) .
وقد وردت كلمة السيمياء كذلك في الشعر، ومنه قول أسيد بن عنقاء الفزاري يمدح عميلة حين قاسمه ماله: