وبعد الانتهاء إلى مجلسهم عطف على فعل ( انتهيت ) فعل ( فساقني) فجعل نهايته إلى مجلسهم سببًا لمشاركتهم، وهنا تبدأ الجملة الثانية التي هي الأولى باعتبار أن الحال وعطفها من الجملتين السابقتين تؤلفان عطفًا للمفرد عند التقدير والتأويل. فتظل الجمل: فساقني الحرص، فرقصت، وسرت..هي الجمل التي ترتبط بالجملة الأولى لها وبضمير المتكلم من جهة ثانية وبجملة الجواب من جهة ثالثة مما يجعلها جزءًا من تركيب لفظي بسيط قائم على الغنى في الدلالة والتعدد في المعاني.
والجملة الخبرية التي احتفت بنهاية المجلس وانفضاضه جاءت على مشهد الدهشة الذي جمع عيسى بن هشام بصاحبه أبي الفتح الإسكندري، جمعتهم على الاستفهام القائم على إنكار وجحود للرؤية من جهة عيسى بن هشام، وتهشيم لحلمه بشخصية صاحبه أبي الفتح، وقابلها أبو الفتح بإعلانه عن رغبته في تحقيق الغاية بغض النظر عن الوسيلة، ورد المسؤولية عن نفسه، وحملها للأيام والليالي وتقلبهما له، مما اضطره إلى أحسن السبل وأقصرها إلى جمع المال في ذلك الزمان.
ومن باب دراسة لغة المقامة يمكن أن نلحظ اختيار أسماء الشخصيتين: عيسى بن هشام، وأبي الفتح الإسكندري، ومناسبة هذه التسمية لكل شخصية وطبيعتها في سلوكها ونفسيتها، وهو أمر مدهش حقًا إذا لم يكن من باب رمية من غير رامٍ، فعيسى بن هشام في جوهر المعنى اللغوي يعود إلى ( عيس، أو عوس ) وفيه نجد أنه منبعث من العرب، ذلك من جهة دلالة العيس على الإبل العراض عند العرب، ومن جهة دلالته على البياض المشرب. يضاف إلى ذلك أن لفظ العيس يدل على اليبوسة والجفاف فيقال للزرع عند العرب: أعيس إعياسًا إذا لم يكن فيه رطب.