لا يعود معدل التناقص كله إلى نقص في عدد المشتغلين بالعلوم الدنيوية بشكل مباشر، وإنما جزء منه يعود إلى نقص الاهتمام بهؤلاء العلماء في تلك المرحلة، كان التقلب السياسي فقط بالغ التعقيد في بغداد لدخول الأكراد والأتراك حلبة الصراع السياسي، فهاجر عدد كبير من العلماء وأخذت الاهتمامات السياسة والمذهبية والاقتصادية تطغى على طلب العلم، وفي بلاد الشام أيضًا بدأ همّ الإصلاح السياسي يطفو لمواجهة الغزو الصليبي، وبالمقابل شعر الفاطميون بالعبء القومي إزاء انسحابهم أمام الغزو الصليبي، وجمعوا صفوفهم بسرعة ليبدؤوا الإصلاح، وكانت مشاكلهم السياسية محلولة تقريبًا، مما ساعد على أن يقصدها كثير من العلماء، وخير مثال في هذه المرحلة هو العالم الكبير ابن الهيثم الذي توجه إلى مصر واستمر في تجنّب ربط العلم بالسياسة (6) .
يظهر المخطط [3] توزع العلماء في المراكز الحضارية في العالم الإسلامي كنسبة مئوية، ومن الملاحظ أن مركز الخلافة العباسية بقي في الصدارة في عدد العلماء الذين عملوا فيه في الفترة المدروسة رغم كل شيء، ثم مصر وبلاد الشام والأندلس والمغرب. وبغية إيضاح العلاقة بين التحولات السياسية وانتقال المراكز الفكرية اعتمادًا على معيار عدد العلماء جرى رسم المخططات
(4، 5، 6) لإظهار حركة الزيادة والنقصان في كل مركز حضاري من خلال القرون المختلفة.