وهذا الشاعر الذي يُحِلُّ الحرامَ ولا يقبل لوم اللوام أو الصبر عن الخمر كان صاحب شراب وندامى، وكان لا يسأل أحدًا أكثر من خمسة دراهم، يجعل درهمين في كراء بغل إلى الحيرة، ودرهمين للشراب، ودرهمًا للطعام. ويبدو أَنَّ الخمرة كانت ملهمته فأبدع في وصفها وحَلَّق في سمائها وبصورة خاصة في هذين البيتين اللذين استنشدهما عبد الملك بن مروان وفيهما يقول: ... لوجه أخيها في الإناء قُطُوبِ
تُريكَ القَذَى من دونها وهي دونه
كُمَيْتٌ إذا فُضَّتْ وفي الكأس وردة ... لها في عظام الشاربين دبيب
ومن رواد تيار المجون من مخضرمي الدولتين آدم بن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم. وكان آدم في أول أمره خليعًا ماجنًا منهمكًا في الشراب ثم نسك بعدما عُمِّر، ومات على طريقة محمودة (?) وهو الذي يقول: ... في مدى الليل الطويلِ
هاك فاشربْها خليلي
قهوة في ظل كرم ... سُبِيَتْ من نهرِ بيْلِ
قُلْ لِمَنْ يَلْحَاكَ فيها ... من فقيهٍ أَوْ نبيلِ
أنت دَعْها وارْجُ أُخرى ... من رحيق السلسبيلِ
وله أبيات غزلية رائعة، منها قوله: ... وآخر أنك أهلٌ لذاكَ
أحبك حبين: لي واحد
فأما الذي هو حب الطباع ... فشيء خُصِصْتَ بهِ عَنْ سواكَ
وأَمَّا الذي هو حبُ الجمال ... فلست أرى ذاك حتى أراكَ
ولست أَمُنُّ بهذا عليك ... لك المَنُّ في ذا وهذا وذاك