لقد شكل المجون في العصر العباسي ـ كما قلنا ـ اتجاهًا أدبيًا بارزًا نبتت بذوره في تربة العصر الجاهلي ونمت جذوره واستمدت قوتها من حياة بعض الشعراء الجاهليين وأشعارهم كامرئ القيس شاعر التمرد والغزل الفاحش والقهر الجنسي، والأعشى ـ صناجة العرب ـ الذي فتن بهريرة وتَيَّمَهُ حبُّها وشُغِفَ بالكأس والطاس، وعبْد بني الحَسْحاس الذي انتقم بمجونه وسخطه من سالبي حريته ومعيّريه بلونه الأسود وجنسه الأجنبي، وطَرَفَة بن العبد الشاعر القلق الحزين، ثم أتباع هؤلاء في العصر الإسلامي كأبي محجن الثقفي الذي أبت ذاته أن يقلع عن شر ب الخمرة بالرغم من إقامة الحَدِّ عليه، فتحدى القيم الدينية التي تُحرّم شرب الخمرة، حتى جاء الاقتناع بلا فرض فأقلع عن شربها. ومنهم عمر بن أبي ربيعة شاعر الغزل والغناء، المفتون بعنفوان شبابه وترف الحجاز، والأخطل المشغوف بالخمرة والهجاء، والفرزدق الذي كان يلهو على استحياء، والوليد بن يزيد الخليفة الشاعر الذي وصف الخمرة وصفًا لم يسبقه إليه شاعر في العصر الإسلامي، فكان أستاذًا لشعراء الخمريات فيما بعد، ومنهم مطيع بن إياس الذي يُعَدُّ الحلقة المفقودة بين الوليد وأبي نواس. ومن الشعراء المتماجنين أيضًا الأُقَيْشِر الأسدي الذي يقول عنه أبو الفرج الأصفهاني ( [8] ) : إنه كان كوفيًا خليعًا ماجنًا مُدْمِنًا لشرب الخمرة، وكان يُكْنَى بأبي معرض، وهو الذي يقول، أي الأُقَيشِر:
فإِنَّ أبا مُعْرِض إذْ حَسَا
خطيبٌ لبيبٌ أبو معرض ... فصار خليقًا على المَكْبَرِ
(الكبر في السن)
أَحَلَّ الحرامَ أبو معرض ... فإنْ لِيم في الخمر لم يصبر
يُجلُّ اللِّئامَ ويَلْحَى الكرامَ ... وإِن أقْصَرُواعنه لم يقصر