وكما هو معروف فإن الدولة العباسية قد أخذت مكانها تحت الشمس على أنقاض الدولة الأموية التي كانت تسير في طريقها إلى الظل. وفي عهد العباسيين اتسعت اللغة العربية لثقافات الأمم التي دخلت في جسد الدولة العربية، كالصين والهند وفارس، وتلك التي كانت مجاورة للحضارة العربية كاليونان والرومان، وأبيحت إلى حد كبير حرية الفكر، وحرية التعبير، وحرية العقيدة، وحرية الهدى والضلال وحرية التقوى والفجور، وحرية السمو إلى البحث عن الحقائق، وحرية التدحرج إلى الانحلال والمجون، فكان الابتذال والتهتك في كل مكان، في الكوفة والبصرة وبغداد كان سائدًا في الأديار، وكان في أكواخ الفقراء وقصور الأشراف وبطانة الخليفة بل كان في قصر الخليفة، فما سر هذه الظاهرة التي غلبت على حياة الناس، وحددت سلوكهم ومناحي اهتماماتهم في ذلك العصر؟
اتفق أكثر الباحثين والمؤرخين على أن للتأثير الفارسي دورًا كبيرًا وقويًا في نمو ظاهرة المجون وانتشارها. فالفرس أمة عريقة لهم ثقافة غنية في القديم، ورثوا شيئًا منها عن الثقافات الشرقية القديمة كالهندية والصينية، وبصفة خاصة النزعة الحضارية المادية، كذلك فقد ورثوا شيئًا آخر عن الثقافة اليونانية التي جلبها الإسكندر بجيوشه الفاتحة، والتي نقلوا شيئًا عنها قبل الإسلام، وقد تجمعت لهم من هنا وهناك روافد ثقافات متعددة ومتباينة، فكانت النتيجة أن اتسمت ثقافتهم بصفات ومميزات أكسبت العرب الساكنين في جنوب العراق في الحيرة والأنبار شيئًا كثيرًا من الحضارة قبل الإسلام، بفعل النفوذ الفارسي السياسي والعسكري على هذه المنطقة. ثم أصاب هذه الثقافة شيء من الضعف قبل ظهور الإسلام، واستطال هذا الضعف حتى شمل أربابها في السياسة والاجتماع، فلم يقووا على ملاقاة العرب المسلمين في موقعة نهاوند سنة (21) للهجرة، ولشدة الهزيمة التي أصابتهم وكثرة الغنائم التي أدركها أعداؤهم سمَّى المسلمون هذه الموقعة (فتح الفتوح) ( [3] ) .