ومن المفيد أن نشير ههنا إلى أنّ التّرديد سُنّة من سنن العرب في أشعارها يفرضها السّياق تجليةً للمعنى وتزكية له، أو رغبة من الشّاعر في التّوكيد والتّفصيل، ومن ثمّ تنمية المعنى وبلورته. وإذ تبدو هذه الظّاهرة عَلَمَا على الجمال الّذي هو قوام الشّعر وعماده، فإنّها، لا ريب، تستقطب اهتمام الأدباء والشّعراء لتتحوّل، بعدئذ، إلى بدعة يشغف بها النّاس على نحو شغفهم بمسائل كثيرة من ألوان البديع والبيان.
وينبغي أنْ نؤكّد بعد أن استقرأنا أشعار"أبي تمام"أنّ الرّجل كان مكْثرًا في اعتماد التّرديد إلى أبعد حدّ. فقد تتتالى الأبيات تلو الأبيات، فلا يكاد يخلو بيت فيها من ترديد أو تصدير أو هما معًا.
وما من شكّ في أنّ الدّارس قد يعتريه بعض التّردد إزاء أيّ تصنيف منهجيّ لدراسة التّرديد. فأقصى ما نصل إليه الاعتماد على مبدأي الائتلاف العروضي، والاختلاف في البنية، باعتبارهما المظهر المؤدّي إلى الكشف عن الخصائص الإيقاعيّة والدّلاليّة لهذه الظّاهرة البديعيّة.
ولربّما كان لتقارب اللفظتين وتباعدهما أساسٌ لائق لنوعٍ آخر من التصنيف وقد يكون التواتر بدوره مبدأ هامًّا للدراسة والتحليل.
مع كلّ هذا، فإننا، نؤثر مبدأي الائتلاف والاختلاف أساسًا لدراسة الترديد، على أن تكون المظاهر الأخرى رَوَافِدَ مُدعِمّة للتحليل، مقدِّرة لنضج الإيقاع وجلائه. وعليه فالترديد، من هذا المنطلق نوعان: تَرْديد مناسبة عروضية، وترديد اشتقاق.
أوّلًا: ترديد المناسبة العروضية:
هو أن تحلّ اللفظة المتردّدة من البحر محلاًّ يتناسب عروضيًّا مع سابقتها ويساوي في ذلك تطابق التفعيلة أو بعضًا منها أو أكثر من ذلك.
فممّا ناسب الترديد فيه أكثر التفعيلة قوله يمدح"المعتصم""والإفشين" ( [10] ) :
فَهذا دواءُ الدّاءِ منْ كلِّ عَالِمٍ