ولقد تعدّدت النماذج الخطابية الحجاجية في الحديث النّبوي ومنها القائمة على الاستدلال بالعام على الخاص وهو الذي قال عنه أرسطو إنّه (قول إذا وضعت فيه أشياء أكثر من واحد، لزم عن تلك الأشياء الموضوعة شيء آخر غيرها من الاضطرار) (48) فهو بمثابة انتقال الفكر بصدق قضيّتين إلى الحكم بصدق قضية ثالثة لازمة عنها وهو انتقال من كلي يقيني إلى جزء ينطوي تحته، حيث تكون المقدمة الكبرى، فالمقدمة الصغرى ثم النتيجة، ومن ذلك قوله (: [يا أيها الناس مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوا الله فلا يستجيب لكم، وقبل أن تستغفروه فلا يغفر لكم. إنّ الأمر بالمعروف لا يقرّب أجلًا، وإنّ الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى لما تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعنهم الله على لسان أنبيائهم وعمّهم البلاء] (49) .
استهلّ الرسول حديثه بمقدّمة كبرى متميزة بالعموم: [يا أيها الناس مروا بالمعروف.. لأنّ من لا يفعل يعاقبه الله بعدم الاستجابة إليه] . ثم جاءت قضية جزئية متميّزة بالخصوص وهي المقدّمة الصّغرى القائلة: إنّ الأحبار تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولإصدار الحكم كان لا بدّ من الرّجوع إلى الحكم العام (المقدمة الكبرى) التي تلزم عنها نتيجة أنّ الله سيعاقبهم (لعنهم.. وعمّهم البلاء) وبالتالي تكون صياغة القياس هي: من لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يعاقبه الله (مقدمة كبرى) .
الأحبار والرهبان تركوا هذا (مقدمة صغرى)
لعنة الله (نتيجة) .