فهرس الكتاب

الصفحة 19284 من 23694

"أما أنت فحيث اجتهدت واحتفلت جئت بالحكَميّ والرقاشي ووالبة ونظرائهم من الفساق والمرغوب عن مذهبهم، الذين نبغوا في آخر الزمان، سقاط عند أهل المروءات، أوضاع عند أهل الفضل لأنهم وإن أسهبوا في وصف الغلمان، فإنما يمدحون اللواط ويشيدون بذكره" ( [3] ) .

واللواط والزنى مسألتان ماثلتان في ذهن الكاتب ومقترنتان في تصوره بالانحراف الخلقي والتحريم البشري فعلى الرغم من كونهما رذيلتين فقد لقيتا رواجًا كبيرًا عند بعض المناوئين للقيم الإسلامية ووسعوا من دائرة الانحراف فيها، مما جعل الجاحظ يضيق على أصحابها الخناق ليحاصر هذا الداء ويهدم بناءه القولي بإفراغه من بعده الروحي إذ يقول:"وقد علمت ما قاله الله تبارك وتعالى في قوم لوط وما عجل لهم من الخزي والقذف بالحجارة إلى ما أعد لهم من العذاب الأليم فمن أسوأ حالًا ممن مدح ما ذمه الله" ( [4] ) .

إن مجتمع الجاحظ المتمسك بالقيم الإسلامية ادعاء لما لها من كبير تأثير في حركية المجتمع لم تخل لغته من دلالات تدل على هذا الادعاء وخاصة فيما يتعلق بالانحراف الخلقي الذي يمارسه المجتمع ويبدي نقيضه.

وتبرز المرجعية الدينية واضحة عندما يوظف صاحبنا علم الكلام ويعتني بالمحسوسات للوصول إلى المجردات منشئًا نوعًا من التوازن في الجدل والحوار فيورد الرأي والرأي الضد كما يورد رأيًا يفصل فيه خصمه بين الدين والدنيا بين القيمة في بعدها المادي والقيمة في بعدها الروحي.

يقول الجاحظ في ذلك على لسان أبي نواس:

"وأما احتجاجك علينا بالقرآن والآثار والفقهاء، فقد قرأنا مثل ما قرأت وسمعنا من الآثار مثل ما سمعت فإن كنت إلى سرور الدنيا تذهب ولذاتها فالقول قولنا كما قال الشاعر:"

ما العيش إلا في جنون الصبا

كأسًا إذا ما الشيخ والى بها ... خمسًا تردى برداء الغلام ( [5] )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت