فهرس الكتاب

الصفحة 19280 من 23694

والجاحظ كما هو معلوم ألزم نفسه بأن يصور المجتمع بمختلف مناحيه، تحدوه في ذلك رغبة في إصلاحه، لذلك نجده في رسالته"تفضيل البطن على الظهر"التي تعد شديدة الاتصال برسالة الجواري والغلمان، يوظف آيات قرآنية يتكئ عليها في التأسيس لمنظوره الطبيعي والأخلاقي والجمالي على السواء، ومن هذه الآيات القرآنية قوله تعالى: (أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون (( 32) .

ويعتمد الجاحظ على المنظور الطبيعي فيجري موازنة شيقة بين"البطن والظهر، شبهها بباطن الأرض وظهرها"، ولما رأينا الكنوز العادية والذخائر النفيسة والجواهر الثمينة مثل الدر الأصفر والياقوت الأحمر والمسك والعنبر والعقيان واللجين والزرنيخ والزئبق والحديد ودائع في بطون الأرض... وإن على ظهرها الهوام القاتلة. (33)

قد يقول قائل كيف يكون الجاحظ مدافعًا عن القيم والمثل العربية وقد أعجب بشعر أبي نواس في بعض موضوعاته.

نقول مبدئيًا، إن كان العصر قد جمع بين الجاحظ وأبي نواس فإن الفكر فرق بينهما بما لا يدع مجالًا للشك أن كل واحد منهما يقف على طرفي نقيض، وإن التقيا مرة فلا يعني التقاءهما فكريًا، ذلك أن أبا نواس يصرح بالفاحشة ويتغزل بالغلمان، بينما كان الجاحظ على نقيض ذلك.

في رسالة مفاخرة الجواري والغلمان حوار قائم على الجدل المستوحى من النزعة الاعتزالية عند الرجل مفعم بالروح الدينية، تتجلى فيه ثنائية الفضيلة والرذيلة بكل وضوح، إذ يحوم أبو نواس في محيط الرذيلة المتمثلة في التغزل بالغلمان، ويؤسس لقيمة جمالية في غير محلها، لكن الجاحظ يهدم بناءها ويعيدها إلى محيطها الطبيعي، حينما يقرنها بالجارية.

(1) ـ أستاذ الأدب العربي القديم. في كلية الآداب بجامعة منتوري قسنطينة ـ الجزائر.

(2) ـ الجاحظ: الحيوان ـ تحقيق عبد السلام محمد هارون. مج 5، ص 543.

(3) ـ المرجع نفسه.

(4) ـ المرجع نفسه.

(5) ـ المرجع السابق ص 543 ـ 544.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت