فهرس الكتاب

الصفحة 1928 من 23694

قد يبدو لفظ التتامية غامضًا في مجال الفيزياء وهو الذي استعمله العالم الدانمراكي نيلز بور. ولكنه يتضح بمثال نأخذه من ميدان الحياة. لو أردنا أن ندرس كائنًا حيًا كالأرنب فأما أن نحاول تشريحه فنتعرف تركيب جسمه ومحتواه وعندئذ نقضي عليه، ونغفل عن نهج نموه وتغذيه وتناسله، وإما أن نتابع نشوءه وتناسله وتغذيه ونموه ونطلع على تطوره في خلال الزمان وعندئذ نضرب صفحًا عن تركيب جسمه وتشريحه. وهكذا لا تستيسر دراسة أحد المظهرين الحيويين السكوني والتطوري إلا على حساب المظهر الآخر ولا يتهيأ الإيغال في فهمهما إلا تباعًا أي أحدهما تلو الآخر وعلى حسابه. فهذه تتامية جلية في مجال لحياة تشبه التتامية بين المتصل والمنفصل بين الجسيم والموج والتجزؤ واللا تجزؤ.

والخلاصة أن المعرفة العلمية مع أنها تاريخية وجدلية فلا شك في أن المعرفة العلمية الحديثة وليدة المعارف السابقة ووريثتها. وأن بعض الاعتبارات الفكرية الجديدة مرتبطة مع تطورها بسياق الاعتبارات الفكرية التالدة. وعلى الرغم من صيرورة المعرفة وتغيرها الدائم فلابد من أن تحتفظ بجملة واسعة من مكاسبها السابقة وإن كان تطور العلوم يحمل على إعادة النظر وتنقية الأفكار والمفاهيم والعمل على تنسيقها وتنظيمها والإتيان بالجديد الذي لا يلبث أن يستدعي جديدًا آخر. ثم أن المعنى الكلي أو المفهوم لا يخلق تام الصنع من لا شيء بل هو يخرج من الماضي ولكنه لا يلبث أن يتبدل بالاستعمال والتطبيق. إن الجزء الذي لا يتجزأ أو الجوهر الفرد قد تغيرت دلالته واختلفت الاعتبارات فيه في غضون الزمان حتى تناقضت أحيانًا. وتنقية المفاهيم والأفكار مقترنة بالتقدم العلمي الحثيث وهي من أخص صفات المعرفة العلمية وسمات الجدل العلمي الحديث.

الحواشي:

1-طبع الهند، ص8-9 قوله ويحكي قريبًا منه عن أفلاطون نائب الفاعل عن أفلاطون وقريبًا نائب المفعول المطلق.

2-ج 2، ص20-21.

3-ص21-22.

4-ص 23-24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت