وفي الأبيات الأربعة التالية حديث عن خالد، البطل المثير للإعجاب... وهذه الأبيات الأربعة لعلها المحور الفنّي الذي وصل إليه أبو ريشة... المحور الذي يصور لحظة اللقاء بين الرسول الكريم وقد حاصره القرشيّون المشركون، وبين خالد وقد همّ بالاعتداء على الرسول الكريم، فلم يتمكن وكبا به الجواد، وتعثرت قدماه.. فأشرقت في نفسه بارقة إعجاب وعجب، وداعبت نفسه هواجس رحمانية.
إنها نقطة المحور في القصيدة. وهنا سر تركيز عمر أبو ريشة على معركة"أحد"وحديثه المطول عنها في 26 بيتًا.
وثب الهول وِثبة فلّت البيض
وعدا المؤمنون في غفلة النَّصْر ... وراء الأسلاب كالعقبان
فدوت صيحة النبيّ فثابوا ... فإذا هم في قبضة العدوان
وإذا المشركون عاصفة هوجاء ... تدمي جوانب الميدان
وفتاهم ذاك المطوح بالهام ... مثير الإعجاب في الفرسان
دفع المهر مغضبًا، فكبا المهر ... أمام النبي بعد حِران
فانتفى سيفه، وهمّ، فلم يقوَ ... ولم تنطلق له قدمانِ
فارتضى بالسّجال، وارتد حرّان ... وفي النفس هاجسٌ رحماني
هذه اللغة المنتقاة، وهذا القاموس الفريد الذي ينسج من الكلمات رداءًا متميّزًا: هذا القاموس لا نجده في الشعر الآخر لعمر أبو ريشة، شعر المرأة، شعر التأمل، شعر الوطن... إن قاموسه التاريخ مترف بالمفردات التاريخية في إطارها الحديث الساحر: [الهول -البيض- المرّان- الأسلاب- العقبان- الميدان- الفرسان- المهر- حِران- سيف] . ... يندى على الجباه الحواني
د-ويقف أبو ريشة بعد المعركة يصوّر لنا الوضع النفسي للمسلمين وقد تحول نصرهم إلى نكسة، وقتل منهم سبعون من خيرتهم. ويستثمر هذا الموقف ليؤكد وقوفه على النقطة المحورية التي تمثلت في اللقاء بين الرسول الكريم وبين خالد المشرك.