ولئن علق الفيلسوف الفرنسي روسو على رأي أرسطو بأن المسرح إنما يصفي الأهواء التي ليست لها بذور أو جذور في نفوسنا، ويقوي الأهواء التي لها جذور أو بذور في النفوس فإن مكانة المسرح العالية في الوقت الحاضر تجاوزت عالم الفن إلى ميدان علم الاجتماع على أيدي الباحثين الاجتماعيين الأمريكيين فيما يدعونه السوسيومتريا على شكلين هما السوسيو دراما، والسيكو دراما.
ثم إن المسرح قد جمع بين عناصر فنية زمانية كإلقاء النص الأدبي والحركة وأحيانا الموسيقى والرقص وعناصر أخرى مكانية كالمناظر والأستار، فسبق في ذلك العلم الحديث الذي يضم الزمان والمكان في عالم منكوفسكي وهو المكان الزماني الذي كان أينشتين قد بين معادلاته.
كل ذلك يحيط به وبغيره من شؤون المسرح وبتاريخه وتباشير نشوئه في إطار الطقوس الدينية أو غيرها وباختلاف أساليبه عند الأقوام والشعوب مؤلف الكتاب فهو الكاتب الأديب والمخرج المتخصص الموهوب ولذلك كان قويًا أي قوي على معالجة الموضوع المطروح.
إن الناظر في تاريخ الحضارة العربية قد يعجب أول الأمر كيف بلغت تلك الحضارة أعالي الآفاق في علومها وفنونها وانتشرت في فسيح الأرجاء دانيها وقاصيها ولم يظهر فيه فن المسرح على الشكل الذي نجده عند الأمم الحديثة ما دمنا في الغالب تجتذبنا المقارنة وتستميلنا المقايسة والموازنة. ولكن عجبه يزول حين يقرأ كتاب الظواهر المسرحية عند العرب إذ يرجع المؤلف إلى خزائن التراث العربي الغنية فينقب فيها عن بوادر المسرح ليجدها متعددة متفاوتة فيختار منها ما يختار ليكتب كتابه المبتكر.
هذا الكتاب دراسة وافية لتلك الظواهر المسرحية تقع في مقدمة موجزة تبين طريق الدراسة ومصاعبها وفي بابين كبيرين يضم الباب الأول ثمانية فصول.