مكث الشدياق في مالطة زهاء (14) عامًا، قام خلالها بالإضافة إلى الترجمة والتعليم، بتأليف بعض الكتب المدرسية، ومنها:"اللفيف في كل معنى طريف"، كما ترجم كتاب"شرح طبائع الحيوان". وقام في تلك الفترة أيضًا بعدة زيارات لأقطار عربية، وهي سورية ولبنان وتونس. وبعد أن أنهى في لندن الترجمة الجديدة للكتاب المقدس، تحت إشراف الدكتور صموئيل، ذهب مع أسرته إلى باريس حيث عاش حياة حرة طليقة دامت أكثر من سنتين، وألّف خلالها كتابه المشهور"الساق على الساق فيما هو الفارياق". ثم عاد بعدها إلى لندن حيث ألف كتابه"كشف المخبأ عن فنون أوربا".
لقد حاول الشدياق، أثناء وجوده في لندن، الحصول على منصب في إحدى الكليات الإنكليزية لتعليم اللغة العربية، ولكنه وجد أن هذه اللغة غير مرغوب بها. كما وجد أن من يريد تدريس
إحدى اللغات الشرقية عليه أن يدرّس اللاتينية. يضاف إلى ذلك أنهم لا يرغبون توظيف الأجانب في تلك المدارس.
لهذه الأسباب قرر الشدياق، في أوائل عام 1850م، الإقامة في باريس، لأن المعيشة فيها رخيصة، ولغة العرب فيها شائعة، كما قرر تعلّم اللغة الفرنسية للحصول على مصدر الرزق. يضاف إلى كل ذلك أن الأطباء الإنكليز قد نصحوا الشدياق بنقل زوجته إلى فرنسا بسبب إصابتها بخفقان القلب. ولكن الخفقان لازمها في باريس. فأشار الأطباء بأن تترك باريس إلى مرسيليا أو إلى استانبول، لأن الجو فيهما دافئ، فسافرت إلى استانبول ومعها ابنها سليم.
أما فارس فقد بقي وحيدًا ومتسكعًا في باريس، فصرف ما كان ادّخره من المال على القمار والشراب والسكن. ولما جاء الأمير عبد القادر الجزائري إلى باريس 1853م استقبل بحفاوة بالغة من قبل الدولة والشعب. فانتهز الشدياق الفرصة ونظم قصيدة مدحه فيها وأرسلها إليه فسرّ الأمير بالقصيدة، واستدعى الشدياق لزيارته، فلما حضر شكره الأمير على ثنائه وأجزل له العطاء.