شهد القرن المنصرم- القرن العشرون- اهتمامًا متزايدًا لمجالين متداخلين من مجالات العلوم الإنسانية، هما: المأثور الشعبي والذاكرة الجماعية، أو بصورة أبسط: دراسة الفضاء الإنساني. وقد ولّد كل من هذين المجالين أعمالًا بحثية وعلمية متنوعة، أفضت إلى ظهور حقول معرفية جديدة، حيث اتسع الاهتمام بالذاكرة الجماعية ليطال مسألة الهوية، القومية، القوة والسلطة، على اعتبار أن المأثور الشعبي يُعد رافدًا أساسيًا من روافد التاريخ، ويشكل البنية التحتية التي يتأسس عليها البناء الثقافي الشعبي. وقد كشفت الدراسات الإنسانية المعاصرة عن عمق تأثير المأثور الشعبي، في تشكيل المُنتج الكلي للثقافة التي ينتمي إليها. ولذلك أصبح الاهتمام به من قبل الهيئات والمنظمات الدولية والمحلية العاملة في مجال التنمية لدور المأثور الشعبي في عمليات التنمية الاقتصادية- الاجتماعية، حيث أصبح ينظر إليه بوصفه تعبيرًا عن أسلوب متكامل للحياة. يمارسها مجتمع من المجتمعات (1) ، تتمظهر من خلال المعارف، العادات، التقاليد، التعبيرات العلمية، المهارات والخبرات التقنية.
ويقوم فهمنا للمأثور الشعبي على أنه"كنز معرفي يشكل السلوك ويلونه، ويساهم في توجيه ذلك السلوك وأنماط العمل في مجتمعاتنا". وإن كنا لا نقول بأن كل المأثور الشعبي هو إيجابي، فقد يحتوي هذا المأثور مظاهر وسلوكات تتطلب تبديلًا جذريًا.
وينبغي النظر إلى المأثور الشعبي باعتباره"حركة دائمة من التفاعل مع النظم والمؤسسات، وهو لذلك يعيد صياغة نفسه من حين لآخر لمواكبة سرعة التغيير واتجاهاته، ويقاس مدى صمود هذا المأثور أمام التغيير بتجاوبه مع تلبية حاجات الفرد والجماعة التي تبني أسس الفعل الاجتماعي". (2)