فهرس الكتاب

الصفحة 18745 من 23694

لقد كتب سهل بن هارون قصته هذه بلغةٍ أدبيةٍ رفيعة النسج، عالية المستوى، وأظهر من خلالها قدرته المتمكّنة من ناصية البلاغة العربية، فغدا نسيج وحده في البيان العربي.

ويمكن القول إنَّ هذه القصة تمتلك مقوّمات القصة بمفهومها الحديث، نسبيًّا، فثمّة حدثٌ تدور حوله القصة، أو بعبارة أ خرى: أحداث تتسلسل باتساق فريد، وتتدرّج من الضعف إلى العقدة، وتنتهي بالحلّ، بعد أن تصل إلى ذروة تأزمّها، في سياق مشوّق أخّاذ. وثمّة شخصيات تحرّك العمل القصصي، وهي في حقيقتها المرموز إليها شخصيات إنسانية، بيد أنّها تتقنّع بالحيوان الرّمز، الذي يوحي إيحاءً مكثّفًا، من خلال سير الأحداث، وتصرفات الأبطال، بالحقيقة الكامنة وراءه.

ويمثّل شخصيات القصة الرئيسة، الثعلب الحكيم، وهو البطل الذي تدور حوله القصة، والنَّمر ملك الجزيرة، الذي وصفه بعض الباحثين بالطاغي (34) ، والحقّ أنَّ هذا الوصف لا يليق به؛ إذ يبدو متعقّلًا حازمًا حكيمًا، يشاور وزراءه، ولا يستبدّ برأيه، ويحكّم العقل في أمور حكمه. وما نَكَبَ الذّئبَ، إلاَّ بعد أن جحد فضله عليه، واستقلّ بولايته دونه، وهو رأس الأمر ومِلاكه؛ فلا يُعقل أن يغضّ الطرف عنه، فيفتح باب الفتنة على مصراعيه. أما ماوصفه به الذّئب في بداية القصة بكونه شرس الطباع، ضيّق الخلق على ما قد عرفت من صفة النّمور )) ، فلا يُسوّغ لنا إطلاق صفة الطاغي )) عليه، ثم إنّ هذا الوصف صادرٌ من موتورٍ مُبغض، لا يُحمل على حقيقته. وربّما كان النّمر شديدًا في حكمه على الذّئاب، بحيث أصابها الهُزال والضُّرّ، كما ذكر الذئب، بيد أن ذلك مردّه إلى معرفة النّمر، بخبث طباعها، ولؤم أخلاقها، دلّل على هذا كلّه جحودُ الذّئب، ونكرانُه جميل النّمر، وحسن صنيعه معه. ويؤكّد رجاحةَ عقل النّمر وحلمّه أيضًا، عفوه عن الثّعلب، وإحسانُه إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت