فهرس الكتاب

الصفحة 18484 من 23694

ولعل خير من يمثل هذا الاتجاه الشعري الذي وجد بتأثير الحياة العامة، هو الشاعر أبو نواس الذي لم يدخل على عصره فسادًا لم يكن بهذا العصر، كما يقول النًّويهي ( [15] ) ، فقد شاع شرب الخمر واستشرى من قبله بجيلين أو ثلاثة أجيال، كذلك فإن شيوع النفاق كان من الظواهر الاجتماعية الكبرى في هذا العصر، فكبار معاصريه كانوا يرتدون مسوح التعفف أمام العامة، وعندما يختلون بخاصة أصدقائهم وصفوة ندمائهم يرتكبون أشنع الموبقات، ويطلقون العنان لأشد ضروب التهتك والابتذال. وهنا ينبغي أن يؤكد أنَّ ما أخذه هؤلاء الكبراء على أبي نواس لم يكن ارتكابه الإثم، بل جَهرُه به وتصريحه بما يفعل، وما يفعلون هم خفية، وهذا واضح من شعره ـ فقد صور هذا النفاق المخيف الذي كانوا يريدون حمله عليه في قصيدة طويلة منها قوله: ( [16] )

ألَمْ تَرَ أَنِّي حين أغدو مُسبِّحًا

فالحساسية الشعرية عند هذا الشاعر التقطت مؤثرات عصره كلها، وتأثرت بها ولكنها لما التقطتْها صاغتها صياغة خاصة وزادت من حدّتها وعنفها، ثم عادت فرديتها إلى العصر بالغة الإرهاف. فهو يلخص حقيقة الناس في عصره بقوله: ( [17] ) ... أو رَجَلٌ وقّره دِينُ

ما الناس إلاّ رجل فاتِكٌ

والبيت لا جديد فيه إلا تصنيف الناس: مؤمنين، ولاهين غير مبالين بالعواقب، لكنه يثور في وجه هذا النفاق، يدعو الناس إلى رفض الرياء والدجل السياسي والاجتماعي بقوله: ( [18] ) ... دَأبَ قومٍ بعدَ قوم

أبدًا ما عِشتَ خالِف

أما الوسيلة المتاحة له للمخالفة فهي إغراق همومه وآلامه في كأس الخمرة، وتخدير أعصابه بالشراب حتى تتشوه الحقيقة العامة فيراها من خلال وجهة نظره هو، مخالفة لكل عرف أو فهم أو مأثور: ( [19] ) ... أحسبُ الدِّيكَ حِمارا

اسقني حتى تراني

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت