وأنا أميل إلى ما قاله مارون عبود، إذ لا ريب في أنَّ أبا العلاء قد جرب الحب في حياته، ودليلنا على ذلك شعره الغزل الرقيق في"سقْط الزّند"، مثل:
أيا دارها بالخَيْفِ إنّ مزارَها
ومثل قوله في"السقط"أيضًا: ... غدوتُ ومن لي عندكم بمقيلِ
أيا جارة البيت الممنعِ جارُه
لغيري زكاةٌ من جِمالٍ فإن تكن ... زكاةَ جَمالٍ فاذكري ابن سبيلِ
فمن لا يعرف الحب ولم يجربه، لا يقدر على تمثل أحاسيس الشباب ووصفها بهذه الدقة: ... أمرًا فبادرُه، إنَّ الدهرَ مطفئُها
إنَّ الشبيبة نارٌ إن أردتَ بها
أصاب جمريَ قرٌ فانتبهتُ له ... والنارُ تدفئُ ضيفي حين أُدفئُها
وهذا يعني أن أبا العلاء لم يتخل عن مباهج الحياة إلا لأنه أعمى ودميم، أو لإخفاقه في الحب، وعدم حظوته بامرأة ترغب بمشاركته الحياة. ... لو ذقتَ بعضَ شمائلِ التفاح
ومع ذلك أتساءل وأقول: ترى لو كان أبو العلاء حيًا وسمع ما خاطبه به بدوي الجبل في ذكراه الألفية:
يا ظالمَ التفاحِ في وجناتها
عطرٌ أحبُّ من المنى وغلالةٌ ... بِدْعٌ فَمِنْ وهجٍ ومنْ أفراحِ
هي صورةٌ لله جلَّ جلالُه ... عزَّتْ نظائرُها على الألواح
هل كان سيحاول أن يتخلص من عقدة العاهة، ويعيد النظر في موقفه المتناقض من المرأة، ويعقد صلحًا معها ومع نفسه ويمارس حياته الإنسانية كما يجب أن تمارس.؟ ... لآت بما لم تستطعه الأوائل
من خلال هذا العرض السريع لصورة المجتمع والمرأة في شعر أبي العلاء المعري نتبين أنه كان ابن زمنه وشاهدًا على عصره، لكنه لم يكن شاهدًا محايدًا ولم يقف من سلبيات المجتمع وسوء تصرف الأفراد موقف المتفرج. وإنما وضع يده على مفاسد الناس ونفاقهم، وحاول إصلاحها بالتعنيف تارة واللين تارة أخرى. ووقف في وجه الظلم السياسي والاجتماعي، وجاهر بعداوته للمشعوذين، واعترض على رياء رجال الدين وتجاوزاتهم.