فبالغ المنجم في مجاملته، وأخبر المرأة أن وليدها سيعيش مائة عام لعلها تفرح بذلك وتدفع إليه المال عن رضى واطمئنان، ولكنَّ قدَر اللهِ كان سابقًا للكذب والتخرص والادعاء، فباغت الموتُ هذا الوليدَ ولم يتجاوز شهره الأول:
سألتْ منجِّمَهَا عن الطفل الذي
فأجابها مئةً، ليأخذ درهمًا ... وأتى الحِمامُ وليدَها في شهرِهِ
ولا يدع المعري المرأةَ المنكوبة بوفاة وحيدها وشأنها، بل يستهجن حزنها ويتعجب من بكائها: ... بكت وساعدها ناسٌ يبكُّونَهْ
عجبتُ للأم لما مات واحدُها
هُمُ أَسارى مناياهمْ فما لهمُ ... إذا أتاهمْ أسيرٌ لا يَفكُّونَهْ
ولم تنجُ الدنيا ومن يعيش فيها من سخط أبي العلاء، بل إنه امتد حتى شمل آدم الذي يرى فيه المعري أصل البلية والشرور، ويرى في نسله البشري نسل زنى: ... وتزويجه ابنيه لبنتيه في الدنا
إذا ما ذكرنا آدمًا وفعاله
علمنا بأنَّ الخلق من أصل زنيَةٍ ... وأنَّ جميعَ الناسِ من عنصرِ الزنى
كما أنه لم يجعل طبقات المجتمع بمنجاة من نقده اللاذع، فنال من (( الأمراء لعدم جدارتهم وفسادهم، وشبههم بالسَّلاّبين من الأعراب. ولم يخش مهاجمة طبقات العلماء الهامة بقسوة أكبر، واعتبرهم مسؤولين عن فساد المجتمع. فكان في نظره أغلب الفقهاء والنساك والدعاة مرائين وجهلة"( [10] ) . ... وأنت عينُ الظالم اللاهي"
وها هو ذا يهجو أحد المتدينين، فيقول:
بخيفة الله تعَبَّدتنا
تأمرُنا بالزهدِ في هذه الـ ... دنيا وما همُّك إلا هي
ويقول أيضًا: ... عليَّ يمينُ الله ما لك دينُ
توهمتَ يا مغرورُ أنك دّيِّنٌ
تسير إلى البيت الحرام تنسُّكًا ... ويشكوك جارٌ بائسٌ وخَدينُ
وهذا يبين أن أبا العلاء لا يفصل بين الدين والأخلاق، فهما في يقينه صنوان متلازمان فالدين أخلاق، والأخلاق دين، والمتدين الحقيقي هو الذي يتمتع بالخلق الحسن والتصرف السليم. ... ويهودُ حارت، والمجوسُ مضلَّلَهْ
ولهذا يقول أيضًا:
هفت الحنيفةُ، والنصارى ما اهتدتْ