الهجير، وإنضاء الراحلة والبعير. فإذا علم أنه قد أوجب على صاحبه حق الرجاء وذمامة التأميل، وقرر عنده ما ناله من المكاره في المسير، بدأ في المديح"فبعثه على المكافأة، وهزَّه للسماح، وفضَّله على الأشباه، وصغَّر في قدره الجزيل."
فالشاعر المجيد من سلك هذه الأسالب، وعَدَّل بين هذه الأقسام، فلم يجعل واحدًا منها أغلب على الشعر، ولم يُطل فيُمِلَّ السامعين، ولم يقطع وبالنفوس ظمأ إلى المزيد" ( [19] ) ."
ولدى تأمّل قصيدة القطامي نجدها تنهل من أشجان ذاته بمحيطها الجغرافي والبيئي، معبرة عن أزمة مزدوجة: أزمة الذات، وأزمة الحياة، منسابة في فضاء تعبيري بلغ ثلاثة وأربعين بيتًا. وقد تنوّعت موضوعاتها ما بين: الوقوف على الطلل، فالحكمة، والنسيب، ووصف الرحلة والراحلة، وذكريات الأغيد الربل، ثم الأخذ بالمديح.
وقد نجح في صهر معاناته في ثنائية:"القلق والأمل"القلق إزاء شظف الحياة الصحراوية وقسوتها، جاعلًا من الذات موضوعًا، ومن الموضوع ذاتًا؛ مختزلًا أسى الإنسان في أسى الذات، محلقًا في فضاء تفاؤلي، رحب، يقتضي التوجه إلى المورد العذب، إلى الممدوح، لتحقيق الأمل بمستقبل أفضل!
وهذا التجاذب بين المعنيين لم يسيطر على جو القصيدة فحسب؛ بل كان الدافع الحقيقي لإنشائها، ومن ثمَّ تآلفت موضوعاتها في تيار شعري واحد، مشدود بعاطفة الحب: حب الشاعر لطلل المحبوبة، حبه للحكمة، حبه للناقة، ثم حبه وإعجابه بممدوحه، وهذه الثنائية: نتلمسها على صعيد السياق الشعري، وعلى صعيد الأدوات التعبيرية.
1-السياق الشعري:
يتحدث القطامي عن أزمته، وأزمة الإنسان في الصحراء، لا على شاكلة الشعراء التقليديين بصوت منفرد، منكفئ على الذات، بل بصوت جماعي منفتح على الحياة، مستفتحًا القصيدة، بتحية الطلل، تحية ينفذ منها من ثابت الفناء والخراب، إلى ثابت الأمل والحياة، حيث يتداعى حديث الذكريات الذي ما زال ماثلًا في الأذهان، على الرغم مما طرأ من متغيرات: ( [20] )