ثم قال إن الشكوك انتابته عند البحث عن الاسم الحقيقي لمؤلفه، فلجأ إلى البحث عنه معتمدًا على ما جاء في نص الكتاب. فتبين له من خلال تأمل موادّه وفصوله أن مؤلفه واسع الاطلاع على شؤون الفلاحة والفراسة، مع المزاولة العقلية لهما، بالإضافة إلى معارفه الطبية والصيدلية، مع كثرة التجوال في بلاد الأندلس والمغرب.
كما أن مؤلف الكتاب يذكر في ثناياه أنه تعلم"الصنعة"على يد الشيخ أبي الحسن علي بن عبد الرحمن الساعدي الأنصاري الشهير بابن اللونقة، وأنه كان على صلة وثيقة بالشيخ الفلاح أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن البصال؛ وكلاهما من أهل طليلطة، وعاشا كلاهما في القرن الخامس الهجري -الحادي عشر الميلادي.
وهذا ما حمله على مواصلة البحث في المؤلفات التي ظهرت في علم النبات بالأندلس، وفي مقدمتها كتاب الفلاحة لأبي زكريا يحيى بن محمد بن العوام الإشبيلي. وهو موسوعة اعتمد مؤلفها على عدد لا يستهان، من المصادر الأندلسية وغير الأندلسية، فذكر أسماءها وأسماء مؤلفيها وهي:
1-كتاب المقنع في الفلاحة للشيخ الفقيه أبي عمر بن حجاج.
2-كتاب الفلاحة لأبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن البصال.
3-كتاب الشيخ الحكيم أبي الخير الإشبيلي.
لقد نقل ابن العوام عن أبي الخير عددًا كبيرًا من المعلومات، وذكره أكثر من مئة وتسعين مرة، ولاسيما ما يتصل منها بوصف أعيان النبات وأجناسه وأنواعه، وهذا ما أكد نسبة كتاب"عمدة الطبيب في معرفة النبات"لأبي الخير الإشبيلي
أساتذة أبي الخير
لما كانت المعلومات عن أبي الخير ضئيلة ناضبة كان لابدّ لنا من أن نقف على مشارف القرن السادس الهجري، ونقلب بين أيدينا كتابه"عمدة الطبيب في معرفة النبات"لنقطف من ثناياه، ونجمع من بين سطوره ومضات مضيئة تنير لنا جوانب من سيرته العلمية.
يخبرنا الإشبيلي في كتابه أن شيخه الذي علّمه"الصنعة"هو"كما ذكرنا أبو الحسن علي بن عبد الرحمن"الشهير"بابن اللونقة الطليطلي".