فهرس الكتاب

الصفحة 18247 من 23694

الخيط الفاصل بين الحياة والموت هو هذه الممارسة الفردية الخالصة التي يجد طرفة ذاته مقثلة في كل دقيقة من دقائقها، أما مثلث الممارسة (الخمر والفروسية والمرأة) فحسبه أن يحقق للذات قيم (البذل والاقتدار والرجولة) التي تشكل هوية وجود الذات، وللحياة بعد ذلك أن تمتد ما أتيح لطرفة أن يستحضر تلك القيم في مجراها اليومي المتجدد، ولكن اختلال معادلة الانتماء لم يفتح له فرصة الممارسة النمطية لهذه اللذات ومن هنا كان لصورة الخمر التي ترددت في عدد من نصوصه أن تحتقب مدلول الاغتراب النفسي العنيف وأن تكون الحل المنطقي للغز الضياع بين لذة أداء فروض الانتماء أو مرارة الانفصام الاجتماعي، فهي تغدو عنده رمز لذة الحس الفردي العنيف: ... وأن أشهد اللذاتِ هل أنت مخلدي

ألا أيهذا اللائمي أحضرَ الوغى

فإن كنتَ لا تسطيع دفع منيتي ... فدعني أبادرْها بما ملكت يدي ( [41] )

اللذة عند طرفة معاقرة الخمر، والخمر غياب عن الوعي بالواقع المرفوض، فهي إذن معادل الموت الذي حين عجز طرفة عن ممارسته أقبل على الخمر لتتيح له التفرد بذاته ثم كان إسرافه في الإقبال عليها سببًا لإفراده (إفراد البعير المعبد) ، ولعل هذا هو ما كان يطمح إليه. ... ما غال عادًا والقرون فأشعبوا ( [42] )

وكما كانت صورة الهرب من الواقع إلى الخمر تحقق حضورها بكثافة في شعر طرفة لتطرح مدلول الهروب الآني من الواقع المرفوض إلى حلم اليقظة كانت صورة الموت تحقق الحضور بالكثافة ذاتها لتطرح مدلول الهروب الأبدي من المعضلة نفسها.

ولا يخلو من دلالة أن يختم طرفة نصه المبكر الذي اتجه فيه إلى أعمامه الذين ظلموه حقه وحق أمه بهذه اللمحة التي قد تبدو مقطوعة عن مجرى النص في مدلولها الشكلي ولكنها تؤدي خلاصة هذا المنحى الفكري الذي يرى في الموت خلاصًا من محنة اضطراب معادلة الوجود:

ولقد بدا لي أنه سيغولني

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت